بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٣٥ - ٣- الأمر الثالث في بيان الملاكات التي ذكرت، و تحقيق حالها
أي: بحيث يثبت البطلان بإطلاق الهيئة لا بأصالة الاشتغال كما عرفت.
و هذا إنما يتم، فيما لو كان للهيئة- التي هي دليل الوجوب- إطلاق.
و أمّا إذا لم يكن لها إطلاق- كما إذا افترض أنّ الوجوب ثبت بدليل لبّي- و يكون القدر المتيقن منه ثبوت الوجوب على المكلّف، لو لم يأت بالفرد المنهي عنه، فإنّه حينئذ مع الإتيان بالفرد المنهي عنه، لا يكون الشك في تفريغ الذمة كي تجري أصالة الاشتغال، و إنّما يكون الشك في أصل التكليف بالوجوب، فتجري أصالة البراءة، فلا تجب الإعادة، و على هذا الأساس، لا يتم هذا الملاك أصلا.
٥- الملاك الخامس، هو: إنّ النّهي، يكشف عن مبغوضيّة الفعل في نظر المولى، و معه، فلا يمكن التقرب بهذا الفعل، لأنّه إنّما يعقل التقرب بالفعل نحو المولى- أيّ مولى كان- فيما إذا كان حال المولى مع هذا الفعل أحسن من حاله مع تركه. و أمّا إذا كان حاله مع تركه أحسن من حاله مع فعله، كما في محل الكلام، فلا يمكن التقرب به حينئذ، و مع عدم إمكان التقرب به يقع باطلا و غير مجز.
هذا حاصل ما يقال في تقريب هذا الملاك، و لا يحتاج فيه إلى إبراز آثار النّهي، من كونه مبعدا لا يمكن التقرب به، و أنّه يقبح معصية النهي و أمثال ذلك، لأنّ ما ذكرناه في هذا الملاك من مناط المقربية، قضيّة صادقة، حتى و لو فرض أنّه لا قبح في معصية المولى الناهي، كما لو كان المولى من الموالي الذين لا تقبح مخالفتهم، فحتى في مثل ذلك، لا يمكن أن يتقرب لهذا المولى بما نهى عنه لما ذكرناه.
و إن شئت، قلت: إنّ المكلّف بعد توجه النّهي إليه، يكون عاجزا عن الإتيان بالفعل العبادي بقصد قربي إلهي، لأنّ وصول النّهي إليه يكشف عن تماميّة مبادئ النّهي، و يكشف بالتالي عن كون العبادة مبغوضة بالفعل، و كون تركها أرجح عند المولى من فعلها، إذ لو لا ذلك لما تعلق النّهي الفعلي بها، و مع إحراز المبغوضية الفعلية يستحيل أن يؤتى بالفعل لأجله