بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٣٢ - ٣- الأمر الثالث في بيان الملاكات التي ذكرت، و تحقيق حالها
أمّا الوجه الأول، ففيه: إنّ المصلحة و إن كانت راجعة للعبد محضا، كما في محل كلامنا، إلّا أنّ هذه المصلحة، تارة، ينظر لها بما هي راجعة للعبد محضا، و معه لا معنى للتقرّب بها نحو المولى، و أخرى ينظر لها بما هي مصلحة مؤثرة في نفس المولى و لو اقتضاء، و في مثله، لا مانع من التقرب بها.
و هذا كثيرا ما يتفق للإنسان، فإنّنا نرى أنّ الصغير يحافظ على نفسه لأجل أنّ ذلك يرضي والده، لا لأجل نفسه، مع أنّ مصلحة المحافظة ترجع إلى الصغير محضا، إلّا أنّها لوحظت بما هي مؤثرة في نفس الوالد، و بذلك أمكن التقرب بها نحوه.
و مقامنا من هذا القبيل.
و أمّا الوجه الثاني، ففيه: إنّه لم يقم عندنا دليل لفظي على عباديّة جل العبادات، إن لم يكن كلها، و إنّما تثبت عباديّتها بالإجماع و الارتكاز من جهة المتشرعة، و هذا الإجماع لا يقتضي أكثر من الإتيان بالفعل على وجه قربيّ، مهما كان هذا الوجه القربيّ، فتقييده بخصوص قصد امتثال الأمر، لا وجه له.
و عليه، فالصحيح، إنّ هذا الملاك الثالث غير تام.
٤- الملاك الرابع: و حاصله، هو: إنّ النّهي يوجب سقوط إطلاق دليل الأمر بناء على امتناع الاجتماع، و مع سقوط إطلاق دليل الأمر، لا يكون هناك كاشف عن الملاك، و حينئذ، ففي مقام الامتثال، لا يمكن للمكلّف الاكتفاء بهذا الفعل، فإنّ مقتضى أصالة الاشتغال بالملاك المعلوم، هو لزوم الخروج عن عهدته، و لا يمكن الخروج عن العهدة بمثل هذا الفعل، لأنّه ليس مصداقا للواجب يقينا، حيث أنّ المفروض أنّ إطلاق دليل الأمر سقط كما أنّه لم يحرز وفاؤه بالملاك ليتقرب به، حيث لا كاشف عن الملاك بعد سقوط الأمر، و حينئذ فبمقتضى أصالة الاشتغال يحكم بعدم وفاء هذا الفعل، و هذا معنى البطلان.