بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٣١ - ٣- الأمر الثالث في بيان الملاكات التي ذكرت، و تحقيق حالها
بمعنى قصد امتثال الأمر، و عليه، فالتقرب بالملاك و إن كان ممكنا، إلّا أنّه لا يجزي، فتقع العبادة باطلة، إذا لم يكن هناك أمر.
و لا يخفى أنّ هذا الملاك لو تمّ، فهو يثبت بطلان العبادة، لا من جهة القصور الذاتي فيها، بل من جهة عجز المكلّف عن قصد القربة، و من هنا كان هذا الملاك مختصا بالعبادات.
يبقى الكلام، في أنّ هذا البطلان، هل هو تابع لوجود النّهي الواقعي، و إن لم يصل، أو إنّه تابع لوجوده الواصل؟.
و الصحيح، هو: إنّ الحال يختلف باختلاف هذين الوجهين المذكورين.
فبناء على الوجه الأول، و هو: عدم إمكان التقرب بالملاك أصلا: فإنّه حينئذ، لا يكون البطلان تابعا للنّهي بوجوده الواقعي، بل يكون تابعا له بوجوده الواصل، و ذلك لأنّه إذا فرض ثبوت النّهي واقعا، إلّا أنّه لم يصل، و وصل عدمه، بمعنى أنّه وصل أمر بذلك الفعل، ففي مثله، لا مانع من التقرب بهذا الأمر، و يحكم بالصحة، و لا إشكال، مع أنّ النّهي ثابت واقعا.
و أمّا إذا بني على الوجه الثاني، و هو: إنّه قام الدليل فقهيا على وجوب قصد القربة، بمعنى قصد امتثال الأمر، فحينئذ، قد يفرض أنّ هذا الدليل اشترط وجوب قصد الأمر الشرعي الواقعي، و بما أنّه لا أمر شرعي واقعي في كل مورد كان فيه نهي واقعي، فحينئذ، يكون البطلان منوطا بوجود النّهي الواقعي، كما هو واضح.
ثمّ إنّ هذا الملاك، لو تمّ، فإنّه يتمّ في جميع أقسام النّهي المتقدمة، لأنّ النّهي في تمام الأقسام الخمسة، يقتضي سقوط الأمر، و معه، لا يمكن قصد امتثال الأمر، و المفروض أنّ الملاك غير قابل للتقرب، فتبطل العبادة حينئذ، و هو المطلوب إثباته.
و التحقيق، هو عدم تماميّة هذا الملاك أيضا، بكلا وجهيه: