بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٢٦ - ٣- الأمر الثالث في بيان الملاكات التي ذكرت، و تحقيق حالها
ثمّ إنّ هذا الملاك لو تمّ، فلا يختص بالعبادات، بل يشمل الواجبات التوصّليّة إذا نهي عن بعض أفرادها، «كردّ السلام»، لو فرض أن نهي عنه بكيفيّة خاصة، فحينئذ، إذا ردّ المكلف السلام بهذه الكيفية المنهيّ عنها، لا يكون ردّه مجزيا، لنفس البيان السابق. و الصحيح في المقام عدم تمامية هذا الملاك إلّا في القسم الأول من أقسام النّهي الذي لا مثال عملي له في الفقه.
و توضيح ذلك، يتوقف على بيان مقدمة، و حاصلها: إنّ الأوصاف المتنافية على قسمين:
١- القسم الأول: الأوصاف التي تكون متنافية، بحمل «هو هو»، و بحمل «ذو هو»، و ذلك كالعلم و الجهل، فهما وصفان متنافيان بكلا الحملين، فلا يصح حملهما على موضوع واحد، بحمل «هو هو»، فلا يقال: «هذا الشيء علم»، و هو بعينه جهل، كما لا يصح حملهما على موضوع واحد بحمل «ذو هو»، فلا يقال: «زيد ذو علم بتلك القضية، و ذو جهل بنفس تلك القضية».
٢- القسم الثاني: الأوصاف المتنافية بحمل «هو هو» دون حمل «ذو هو»، و ذلك كالبياض و الرائحة، فلا يحملان على موضوع واحد بحمل «هو هو» فلا يقال: «هذا بياض»، و هو بعينه رائحة، لأنّ البياض كيف مبصر، و الرائحة كيف مشموم، و هما متنافيان، لكن هما غير متنافيين بحمل «ذو هو»، فلا مانع أن يقال: «هذا الشيء ذو بياض» ثمّ يشار إلى نفس ذلك الشيء و يقال: إنّه «ذو رائحة».
و بعد هذه المقدمة، نأتي إلى محل الكلام فنقول: إنّ الأحكام التي تكون من قبيل القسم الأول من الأقسام الخمسة، بأن يكون النّهي نفسيا، خطابا و ملاكا، كالنّهي عن الشرك بالله تعالى، كما أنّ الأمر نفسي، خطابا و ملاكا، كالأمر بمعرفة اللّه تعالى، ففي مثل ذلك، نفس متعلق النّهي، هو مفسدة، و نفس متعلق الأمر هو مصلحة، فتكون المصلحة و المفسدة محمولتين على المتعلق بحمل «هو هو»، لأنّه يقال: الشرك بالله مفسدة،