بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٩١ - * التنبيه الثاني هو إنّ الإمكان و الامتناع المبحوث عنهما في المقام، هل يختص بالإمكان و الامتناع الذي يكون بحكم العقل، أو إنّه يشمل ما يكون بحكم العرف أيضا؟
و قد أشكل على مدخليّة العرف في ذلك حيث قيل: بأنّ مدخليّة العرف في بحث الإمكان و الامتناع، مرجعه إلى تشخيص العرف للمصداق.
و حكمه في تشخيص المصداق ليس حجة، و إنما هو حجة في تشخيص مفهوم اللفظ. فمثلا- بعد أن يحكم العرف في معنى (الصعيد)، و نعلم أنّه خصوص التراب- لا يرجع إلى العرف ليشخص و يحكم على مشكوك الترابيّة بأنّه تراب، بل يرجع في ذلك إلى العقل المبني على الدقة و التحليل. و هذا الكلام و إن كان صحيحا في نفسه، إلّا أنّه مع ذلك يمكن القول بأنّ الكلام في الإمكان و الامتناع يشمل ما كان بحكم العرف إمكانا و امتناعا.
و توضيح ذلك، هو: إنّ العرف قد يدرك تلازمات قد لا يدركها العقل، باعتبار كون حكم العرف مبنيا على النظر المسامحي الذّوقي، بينما حكم العقل مبني على الدقة و التحليل. فمثلا: العرف يدرك التلازم بين مطهّرية الماء و طهارته، فإذا علم بمطهريّة ماء من دليله، تراه يحكم بطهارة هذا الماء بسبب هذا التلازم العرفي، لأنه لا يعقل كون المطهر غير طاهر، و هذا التلازم هو دلالة التزامية، و هي حجة كسائر الدلالات، بينما قد لا يحكم العقل بهذا التلازم، حيث أنّ التفكيك بين مطهريّة الماء و طهارته ليس مستحيلا بنظره.
و الحاصل هو: إنّ العرف المبني على النظر المسامحي بحسب مرتكزاته، قد يدرك تلازما بين شيئين لا يدركه العقل، كما لو ادّعى الحكم بالإمكان أو الامتناع، باعتبار إدراكه تلازما يكون مقتضاه الحكم بالامتناع، فمثل هذا الإدراك للتلازم حجة لأنّه دلالة التزامية، و هي حجة كما عرفت.
و نفس الشيء يقال في المقام، فمثلا: دليل «صلّ»: يدل بالمطابقة على وجوب الصلاة، و بالالتزام بنظر العرف على أنّ الصلاة لا تقع في مورد «ما» مصداقا للغصب، باعتبار أنّه يرى التمانع بينهما و لو كانا ذا عنوانين، و كذا دليل «لا تغصب» فإنّه يدل بالمطابقة على حرمة الغصب، و بالالتزام- بنظر