بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٩٩ - أمّا المقام الأول فى دلالة الدليل الناسخ او المنسوخ على الجواز او عدمها
فتبقى الدلالة التضمنيّة حجة في أصل الإرادة، و هو الطلب، و هو معنى الجواز بالمعنى الأعم، المتمثل في الاستحباب.
٣- التقريب الثالث: و هو مبني على المسلك المعروف لمدرسة المحقق النائيني (قده) في باب الوجوب و الاستحباب، و هو: إنّ الوجوب ليس مدلولا للّفظ [١]، و كذلك الاستحباب، فإنّ مدلول «صلّ الصبح»، «و صلّ الليل»، مفادهما واحد، و هو الطلب، و إنّ الوجوب في «صلّ الصبح» إنّما يلزم به العقل، بعد أن ينتزعه من طلب الفعل، و عدم الترخيص في الترك، فإنّ المولى كلما تصدّى لطلب فعل دون أن يرخّص في تركه، يحكم العقل حينئذ بوجوبه.
إذن، فالوجوب يحصل بضم مطلبين: أحدهما: مدلول اللفظ الذي هو الطلب، و الآخر: عدم ورود ترخيص بالترك من قبل المولى، كما أنّ الحكم باستحباب «صلاة الليل» أيضا عقلي مبني على أمرين: أحدهما:
صدور طلب من المولى، و الآخر: هو الترخيص بالمخالفة.
و بناء على هذا المبنى لا ندري لما ذا لم ينتبه أصحاب هذه المدرسة إلى إمكان إثبات الجواز بالمعنى الأعم، بعد نسخ الوجوب، إذ لا يبقى لدليل الوجوب المنسوخ مفاد، إذا ارتفع الوجوب، فإنّ الدليل الذي دلّ على نسخ الوجوب يكون بمثابة الدليل على الترخيص لا أكثر، و يبقى دليل الطلب، غايته أنّه إلى ما قبل النسخ لم يرد ترخيص، و من حين النسخ فصاعدا ورد ترخيص، و العقل هنا ينتزع الاستحباب.
و إذا تمّ هذا المبنى، فلا نبقى بحاجة إلى شيء من تبعية الدلالة التضمنيّة، أو الالتزامية للدلالة المطابقيّة في الحجيّة و عدم التبعيّة، فلو فرض أن قلنا بتبعية الدلالة الالتزاميّة و التضمنيّة للدلالة المطابقيّة في الحجيّة، فإنّه على هذا المبنى تسقط جميع الدلالات عن الحجيّة، و سوف
[١] فوائد الأصول- الكاظمي: ج ١ ص ٧٠- ٧١.