بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٩٨ - أمّا المقام الأول فى دلالة الدليل الناسخ او المنسوخ على الجواز او عدمها
المطابقيّة عن الحجيّة، بقيت حجيّة الدلالة التضمنيّة.
فبناء على هذا يدّعى، بأنّ دليل الوجوب المنسوخ مركّب من جزءين:
من طلب الفعل، و المنع من الترك، و دليل النسخ يكشف عن ارتفاع المجموع بما هو مجوع، و لا يدل على ارتفاع كلا الجزءين معا، أي: لا يدل على نفي الجميع، و نفي المجموع يكفي فيه نفي الجزء الأخسّ، و هو المنع من الترك، و يبقى الجزء الآخر- و هو طلب الفعل ثابتا-، لأنّه لا داعي لنفيه، و هو معنى الجواز بالمعنى الأعم، و تبقى الدلالة التضمنية بهذا محتفظة بحجيّتها، و الجواز بالمعنى الأعم متضمنا لطلب الفعل.
و الفرق بين التقريب الأول، و هذا التقريب، هو: إنّ الأول يثبت الجواز بالمعنى الأعم في ضمن الإباحة، و هذا التقريب الثاني يثبت الجواز بالمعنى الأعم في ضمن الاستحباب، بتقريب أنّ الوجوب مركّب من طلب الفعل و المنع من الترك، و الدليل الناسخ إنّما ينفي مجموعهما لا جميعهما، فيكون المتيقن منه انتفاء الثاني، و تبقى دلالة الدليل المنسوخ على أصل الطلب، فيثبت الجواز بالمعنى الأعم، في ضمن الاستحباب، لأنّنا نعلم بالطلب، و لا نعلم بعدم المنع، و ليس معنى الجواز بالمعنى الأعم في ضمن الاستحباب إلّا هذا.
و لعلّه يمكن تطبيق الفكرة نفسها، فيما لو قيل، بأنّ دليل الوجوب ليس مفاده طلب الفعل مع المنع من الترك، بل مفاده، الطلب الشديد و الإرادة الشديدة، فالمدلول التصديقي لدليل الوجوب المنسوخ هو الإرادة الشديدة، و المدلول التصديقي للاستحباب هو الإرادة الضعيفة، و حينئذ دليل النسخ ينفي الإرادة الشديدة، لا مطلق الإرادة، أي: إنّه ينفي مرتبة الشدة مع بقاء أصل الإرادة.
و بعبارة أخرى يقال: إنّ دليل الوجوب له دلالتان: دلالة تضمنيّة على أصل الإرادة، و دلالة مطابقيّة على شدة الإرادة، و قد أسقط دليل الناسخ مدلول الدلالة التصديقيّة عن الحجيّة، و لا موجب لسقوط الدلالة التضمنية،