البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٨ - التقريب الأول الاستدلال بسيرة المتشرعة
واحدة تدل على ذلك الردع، أو المنع، بل الأمر على العكس؛ لأن الذي وصل إلينا من الروايات و الأخبار، إن لم يكن دالًا على الحجية، فلا أقل من أنه مناسب لها، قابل للحمل عليها.
و بهذا نثبت أن عمل المتشرعة من أصحاب الأئمة (ع)، كان قائماً على الأخذ بأخبار الثقات في مقام استنباط الأحكام الشرعية.
و حينئذٍ نقول:
إمّا أن يكون عملهم على وفق ما بأيديهم من الروايات التي وصلت إليهم من الأئمة السابقين عن طريق الثقات لأجل حصول العلم، أو الاطمئنان بصدورها منهم، و إمّا أن يكون عملهم على وفقها من دون أن يحصل لهم العلم بصدورها، بأن اكتفوا بالظن بصدورها عنهم (ع).
و لا إشكال في أن الاحتمال الأول بعيد جداً، الأمر الذي أدّى بالشيخ الأنصاري إلى أن يقطع بعدمه، و قد أبرز شواهد و قرائن على ذلك، وعليه، فيتعيّن الاحتمال الثاني، أي: إنّهم كانوا يعملون على وفقها باعتبارها أخبار ثقات لا أكثر، و حينئذٍ نقول:
إنّ المتشرعة من أصحاب الأئمة إمّا أن يكونوا قد عملوا بها مع عدم السؤال عن حالها، بل كان ذلك جرياً على عاداتهم و مرتكزاتهم العقلائية و عدم مبالاتهم بالدين، و هذا بعيد جداً بحساب الاحتمالات، كما تقدم ذلك، و إمّا أن يكون قد عملوا بها مع السؤال من الإمام (ع) عن حالها، بمعنى: أنه صدر من الإمام (ع) ما يكون دليلًا على حجيتها، فيثبت المطلوب.
و بهذا، نثبت قيام سيرة المتشرّعة من أصحاب الأئمة (ع) على العمل بأخبار الثقات لمجرد وثاقة رواتها، و إنّ ذلك كان مرتكزاً عندهم، و هو ما يكشف كشفاً إنياً عن أن هذا الارتكاز قد تلقوه من الشارع [١]، بحيث يكون قد صدر من الشارع ما يكون مبرراً لعملهم، و هذا يعني: حجّية خبر الثقة.
[١] و قد اعترض المحقق الخراساني على ذلك بقوله: «أنه لو سلم اتفاقهم على ذلك، لم يحرز أنهم اتفقوا بما هم مسلمون و متدينون بهذا الدين، أو بما هم عقلاء و لو لم يلتزموا بدين». راجع كفاية الأصول، ص ٣٠٣.