البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٨٢ - طريق آخر للوصول إلى نتيجة التخصيص أو التقييد
الدال على الحرمة داخلًا في أطراف العلم الاجمالي بمطابقة بعض تلك الأخبار للواقع، فيتنجز وجوب العمل بذلك الخبر احتياطاً، ففي مثالنا المتقدّم، نرفع اليد عن إطلاق ما دلّ على حلية اللحوم بمقدار ما دلّ على حرمة أكل لحم الأرنب، و إن بقيت الأفراد الأخرى داخلة تحت الإطلاق، و هذه نتيجة مشابهة للنتيجة التي ننتهي إليها عن طريق التخصيص و التقييد، و إن لم تكن من التخصيص و التقييد الاصطلاحيين؛ لأن تخصيص العام، أو تقييد المطلق، فرع حجّية العام في العموم و المطلق في الإطلاق، و إلّا، لو لم يكن العام حجّة في عمومه، و لا المطلق حجّة في إطلاقه، لا يكون العمل بالخاص أو بالمقيّد تخصيصاً أو تقييداً لذلك العام أو المطلق؛ لأن التخصيص أو التقييد من نتائج التعارض بين ظهور العام و ظهور الخاص، أو ظهور المطلق و ظهور المقيّد، و من الواضح: إن التعارض لا يعقل إلّا بين دليلين كان كل منهما حجّة في نفسه لو لا التعارض؛ إذ لا يعقل التعارض بين ما هو حجّة في نفسه و بين ما هو ليس كذلك.
و ينبغي الالتفات هنا، إلى أنّ رفع اليد عن العموم أو الإطلاق في هذه الحالة، لم يكن لأجل تنجّز العمل بالخبر الدال على الحرمة، و إنّما هو لأجل عدم حجّية ذلك العام في العموم بسبب العلم الاجمالي بطروّ التخصيص عليه، سواء كان الخبر الدال على الحرمة موجوداً، أم لا، و سواء تنجّز علينا العمل بمقتضاه، أم لا [١]، غاية الأمر: أنه مع عدم حجّية العام في عمومه، لا مانع من الأخذ به لو كان واصلًا و قلنا بوجوب العمل به من باب منجّزية العلم الاجمالي.
هذا تمام الكلام في الشكل الأول من شكلي الاستدلال بالدليل العقلي على حجّية
خبر الثقة، و قد تبيّن أنّه لا يوصل إلى نفس النتيجة المطلوبة من الحجّية التي يراد اثباتها للخبر [٢].
[١] لا يقال: إنّه بناء على ذلك سوف تسقط كل العمومات و المطلقات القرآنية عن الحجية؛ و ذلك للعلم الإجمالي بطرو التخصيص أو التقييد عليها.
فإنّه يقال: إنّ مقتضى العلم الإجمالي بطرو التخصيص أو التقييد، و إن كان هو ذلك، و لكن نحن نلتزم بانحلال هذا العلم الإجمالي بالعثور على تلك المخصصات أو المقيدات ضمن دائرة أخبار الثقات التي ثبتت حجيتها بدليل خاص
[٢] هذا ما انتهى إليه السيّد الشهيد على ما يظهر من تقرير بحثه، حيث قال: «و هكذا يتضح عدم تمامية الدليل العقلي على حجّية أخبار الآحاد، و عدم الانتهاء إلى نفس النتيجة المطلوبة من الحجّية على تقدير تماميته»، راجع: بحوث في علم الأصول، ج ٤، ص ٤٢١.