البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٨٣
و غيرها من الأخبار التي استند إليها الأخباريون، و اعتبروها دليلًا على ما ذهبوا إليه من عدم حجّية الدليل العقلي في مجال الأحكام الشرعيّة، و قرّبوا الاستدلال بها بقولهم: إننا نهينا عن أخذ الأحكام الشرعيّة إلا من قبل الحجّة، و بواسطة السماع منه، و العمل بالدليل العقلي لمعرفة الأحكام الشرعيّة مناف لمضمون هذه الروايات؛ لأنه لا يكون مما بلّغه الحجّة، فلا يصح الاعتماد عليه.
لا دلالة في الروايات السابقة على المدّعى:
قوله (قدس) ص ٤٣٢: «و الصحيح أن الروايات المذكورة لا دلالة فيها ... الخ».
الصحيح: إنّ كل ما يستند إليه الإخباري من الروايات لإثبات عدم حجية الدليل العقلي القطعي، لا دلالة فيه على ذلك، و إنما هي أجنبية تماماً عن المدّعى؛ فإنّ هذه الروايات يمكن تصنيفها- من حيث دلالتها- إلى ثلاث طوائف:
فالطائفة الأولى منها، من قبيل الرواية الأولى، فإنها بصدد المنع عن التعويل على الرأي و الاستحسان اللذين غاية ما يقتضيانه هو الظن بالحكم الشرعي، و من المعلوم أنه لا دليل على حجيّة الظنون العقلية الناشئة من الرأي، و الاستحسان، و القياس، و هذه الروايات جاءت لتثبت عدم حجية الظنون العقلية، و أين هذا من القطع العقلي الذي هو محلّ البحث؟! فهذه الطائفة من الروايات أجنبية تماماً عن المقام.
و أمّا الطائفة الثانية، و التي تمثلها الرواية الثانية، فهي بصدد بيان شرط من شروط صحة العبادة و قبولها، و هذا الشرط هو ولاية أهل البيت (ع)، و من الواضح: أن ولاية أهل البيت (ع) و إن كانت تقتضي الأخذ عنهم، و لكن هذا لا يعني عدم حجية الدليل العقلي القطعي، بل هي إن دلّت على شيء، فإنّ أقصى ما تدل عليه هو عدم جواز الأخذ من غيرهم فيما هو مبيّن عن طريقهم.
و أمّا الطائفة الثالثة، و التي تمثلها الرواية الثالثة، فهي بصدد بيان عدم جواز الانصراف عن الأدلة الشرعية و التوجّه رأساً و مباشرةً إلى الاستدلالات العقليّة؛ فإن التوجّه إلى الأدلة الشرعية كثيراً ما يحول دون حصول القطع من الاستدلال العقلي، فجاءت تلك الروايات لتؤكد أن التعامل مع الأحكام الشرعية على أساس عقلي محض غير جائز