البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٦٤ - الثانية في بيان معنى الترتب و موضوع البحث في المسألة
فلا محذور في تشريع انقاذ كل غريق، أو تشريع حرمة التصرف في ملك الغير، و وجوب انجاء المؤمن من الهلكة؛ إذ لا ربط لأحد الحكمين بالآخر؛ لأنّ موضوع أحدهما غير موضوع الآخر، و قد شرع كل منهما على موضوعه المقدر وجوده من دون أن يستلزم ذلك التشريع اجتماع الإرادة و الكراهة في شيء واحد، أو التكليف بما لا يطاق، بل اتفق التزاحم في مقام الفعلية، كما إذا اتفق أنه صار التصرف في ملك الغير مقدمة لإنجاء المؤمن، أو اتفق عدم التمكن من انقاذ كل من الغريقين في آن واحد، فإن هذا الاتفاق لا يضر بذلك التشريع و الجعل أصلًا [١].
الثانية: في بيان معنى الترتب و موضوع البحث في المسألة
الترتب بشكل كلي، هو: عبارة عن الطولية بين أمرين، أو شيئين على نحو يكون وجود أحدهما منوطاً بوجود الآخر، أو بعدم وجوده. من قبيل الترتب بين وجود الابن و وجود الأب، أو الترتب بين وجود المعلول و عدم وجود المانع مع توفر المقتضي و الشرط، أو الترتب بين وجوب التيمم و وجوب الوضوء؛ فإنّ وجوب التيمم في طول عدم وجوب الوضوء، كما لو فرض فقدان الماء، أو عدم التمكن منه، أو غير ذلك مما يوجب سقوط وجوب الوضوء، فوجود شيء في طول وجود شيء آخر، أو في طول عدم وجوده، يعني: أنّ بينهما ترتّب. و منه يعلم أنه لا ترتب بين الأمرين العرضيين الذين
[١] و قد أضاف المحقق النائيني وجهاً آخر للتفريق بين باب التزاحم و باب التعارض، حيث قال في كتاب الصلاة ج ١، ص ٣٧٢ ما نصّه: «ثم إن من لوازم باب التزاحم، هو أن تقديم أحد المتزاحمين على الآخر لأحد موجباته، إنما يكون في صورة العلم بالحكم و الموضوع؛ لأن التزاحم إنما يقع عند ذلك، و إلا فالوجود الواقعي للحكم مما لا أثر له في باب التزاحم، بل لا بد من وجوده العلمي، مثلًا: لو لم يعلم بأن هناك غريقا آخر، لا يمكن أن يزاحم الوجود الواقعي ل- «أنقد الغريق» للغريق الذي علم به حكماً و موضوعاً، بل اللازم عليه فعلًا هو إنقاذ ما علم كونه غريقاً ليس إلا، و هذا بخلاف باب التعارض، لما عرفت من أن التعارض إنما يكون بين الوجود الواقعي و في عالم الإرادة الآمرية، و التشريع، من دون أن يكون لعلم المكلف و جهله دخل في ذلك».