البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٥٨ - المقام الثاني الملازمة بين حكم العقل العملي و حكم الشارع
المقام الثاني: الملازمة بين حكم العقل العملي و حكم الشارع
قوله (قدس) ص ٤٢٦: «عرفنا أن مرجع الحكم العملي إلى الحسن ... الخ».
تقدم إن مدركات العقل العملي، أو ما يسمى بالمستقلات العقلية [١]، منحصرة بقضية واحدة، و هي: قضية الحسن و القبح؛ إذ لا شيء مما يدركه العقل مطلقاً يقتضي بذاته جرياً عملياً على وفقه، و سلوكاً معيناً على طبقه إلا الحسن و القبح، و على هذا الأساس،
يكون مصب النزاع و البحث، هو: انه لو أدرك العقل حسن شيء أو قبحه، فهل يلزم عقلًا حكم الشارع على طبقه أم لا؟
و هذا البحث هو المعبر عنه في كلمات الأصوليين بالمستقلات العقلية، بمعنى: ان
[١] اعلم أن البحث في المستقلات العقلية يكون في ثلاث جهات:
الأولى: هل للأشياء جهة حسن أو قبح في نفسها و ذاتها؟
الثانية: في إثبات صغرى الدليل العقلي المستقل، و هي: إن العقل هل يدرك حسن الأشياء و قبحها أم لا؟
الثالثة: في إثبات كبرى الصغرى المتقدمة، و هي: عبارة عن: إن ما حكم به العقل هل يلزم عقلًا حكم الشارع على طبقه أم لا؟ أي: هل توجد ملازمة بين الحكمين أم لا؟
أما الجهة الأولى، فلم تقع مورداً للخلاف إلا من الأشاعرة؛ حيث أنكروا أن يكون للأشياء جهة حسن و قبح بقطع النظر عن حكم الشارع، و ذهبوا إلى أن الحسن ما حسّنه الشارع، أي: ما أمر به، و القبيح ما قبّحه الشارع، أي: ما نهى عنه، و فرّعوا على ذلك القول بأن الأحكام الشرعية غير تابعة للمصالح و المفاسد، و بناءً على هذا، لا معنى للبحث عن الكبرى حينئذٍ؛ لأن الحسن و القبح عندهم معلول للأحكام الشرعيّة، و في طول الحكم الشرعي، أي: إنه بعد أمر الشارع بالفعل يصبح حسناً، و بعد أن ينهى عنه يصبح قبيحاً.
و ذهب بعض آخر منهم إلى القول و الاعتراف بثبوت جهة حسن أو قبح في الأفعال بحد ذاتها، و لكن العقل قاصر عن إدراكها، و على كلا القولين، تكون الصغرى منتفية، فلا يصل البحث إلى الكبرى.
و هذا القول واضح البطلان، و الصحيح: ما ذهبت إليه العدلية، من القول بأن للأشياء جهة حسن و قبح، و العقل هو الذي يدرك حسن الأشياء و قبحها، و هذا ما يطلق عليه بالحسن و القبح العقليين، و إن للأشياء في ذاتها جهة حسن و قبح بقطع النظر عن الشارع.
أما الجهة الثانية، فلم تقع مورداً للخلاف بين الإماميّة إلا في ما ينسب إلى الإخباريين حسب ما يفسّر به كلامهم من قبل البعض، بأنهم ينكرون إدراك العقل للحسن و القبح الواقعيين؛ بعد التسليم بجهة الحسن و القبح في الأفعال، و إن من الأفعال ما هو حسن بذاته، و منها ما هو قبيح بذاته بلا توسيط شيء آخر، فالجهة المحسنة للفعل هو نفس عنوان العدل مثلًا، لا حكم الشارع كما يدّعي ذلك الأشاعرة.
أما الجهة الثالثة، فهي التي يقع فيها البحث هنا.