البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٧٦ - القول الثاني عدم حجية الدليل العقلي حتى لو كان قطعياً
القول الثاني: عدم حجية الدليل العقلي حتى لو كان قطعياً
قوله (قدس) ص ٤٣٠: «و نسب إلى بعضهم القول بعدم حجية ... الخ».
و هذا القول هو ما ذهب إليه بعض الإخباريين بحسب ما ينسب إليهم من القول بعدم حجية القطع الناشئ من المقدمات العقلية، و التفريق بين مناشئ القطع و مقدماته؛ فإن كانت المناشئ و المقدمات المؤدية إلى القطع بالحكم الشرعي شرعية، فهو حجة، و إن كانت تلك المناشئ و المقدمات عقلية، فليس بحجة.
وعليه، فالطريق لإثبات الأحكام الشرعية منحصر عندهم بالدليل الشرعي الصادر من الشارع، و منعوا الاستفادة من العقل في مجال استنباط الأحكام الشرعية [١].
[١] قال الشيخ محمد أمين الاسترآبادي في عداد ما استدل به على انحصار الدليل فيما ليس من ضروريات الدين بالسماع من الصادقين- بحسب ما نسبه إليه الشيخ محمد تقي في هداية المسترشدين، ص ٤٤٣-: «ان العلوم النظرية قسمان: قسم ينتهى إلى مادة هي قريبة من الاحساس، و من هذا القسم: علم الهندسة و الحساب، و أكثر ابواب المنطق، و هذا القسم لا يقع فيه خلاف بين العلماء، و الخطأ في نتائج الافكار ... و قسم ينتهى إلى مادة هي بعيدة من الاحساس، و من هذا القسم: الحكمة الالهية، و الطبيعة، و علم الكلام، و علم اصول الفقه، و المسائل النظرية و الفقهية، و بعض القواعد المذكورة في كتب المنطق، و من ثم وقع الاختلافات و المشاجرات بين الفلاسفة، و الحكمة الالهية، و الطبيعة، و بين علماء الاسلام، في اصول الفقه، و المسائل الفقهية، و علم الكلام، و غير ذلك، و السبب في ذلك، ان القواعد المنطقية انما هي عاصمة من الخطأ من جهة الصورة لا من جهة المادة».
و قال المحقق البحراني في الحدائق الناضرة، ج ١، ص ١٣١: «و لا ريب أن الأحكام الفقهية، من عبادات و غيرها، كلها توقيفية تحتاج إلى السماع من حافظ الشريعة، و لهذا قد استفاضت الأخبار- كما قد مر بك الاشارة إلى شطر منها في المقدمة الثالثة- بالنهي عن القول في الأحكام الشرعية بغير سماع منهم، و علم صادر عنهم (صلوات الله عليهم)، و وجوب التوقف و الاحتياط مع عدم تيسر طريق العلم، و وجوب الرد إليهم في جملة منها، و ما ذاك إلا لقصور العقل المذكور عن الاطلاع على اغوارها، و إحجامه عن التلجج في لجج بحارها». و قال أيضاً في ج ١، ص ٤٠٢: «فانه لا مجال للعقل في الأحكام الشرعية؛ لبنائها على التوقيف من المبلغ للشريعة».
و قال السيد صدر الدين القمي في شرح الوافية- حسب ما ذكره الشيخ الأنصاري في فرائد الأصول، ج ١، ص ٥٩-: «إن المعلوم، هو: أنه يجب فعل شيء أو تركه أو لا يجب، إذا حصل الظن، أو القطع بوجوبه، أو حرمته، أو غيرهما من جهة نقل قول المعصوم، أو فعله، أو تقريره، لا أنه يجب فعله، أو تركه، أو لا يجب، مع حصولهما من أي طريق كان».
و قد نقل الآخوند الخراساني في كفاية الأصول، ص ٢٧٠ في مقام تكذيبه النسبة المذكورة إلى الاخباريين، ما يحكى عن السيد الصدر من منع الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، فقال: «و أنها إنما تكون إما في مقام منع الملازمة بين حكم العقل بوجوب شيء و حكم الشرع بوجوبه، كما ينادي به بأعلى صوته ما حكي عن السيد الصدر في باب الملازمة».
فالذي يراجع كلمات الإخباريين، يجد أن مرادهم يدور بين ثلاثة احتمالات:
الأول: منع الملازمة بين حكم العقل و حكم الشارع، وعليه، فالمراد من عدم حجية الدليل العقلي، هو: إنكار الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع.
الثاني: إن الدليل العقلي لا يفيد إلا الظن دائماً؛ بدعوى أن كثرة وقوع الخطأ في المقدمات العقلية يسبب عدم إفادتها القطع، فلا يكون الدليل العقلي حجة.
الثالث: عدم حجية القطع الناشئ من المقدمات العقلية، بمعنى: انه حتى لو حصل القطع من الدليل العقلي، فلا يكون حجة.
و قد حمل صاحب الكفاية (رحمه الله) كلماتهم على الاحتمال الأول أو الثاني، بل اعتبر الاحتمال الثاني صريح الشيخ المحدث محمد أمين الأسترآبادي (رحمه الله). راجع: كفاية الأصول، ص ٢٧١.
و الذي يهمنا في المقام، هو: الاحتمال الثالث؛ لأن الاحتمال الأول خارج عن محل النزاع، و الاحتمال الثاني ما هو إلا دعوى عهدتها على مدعيها؛ إذ الدليل العقلي كثيراً ما يفيد القطع كما نشعر بذلك بالوجدان، و على تقدير عدم حصول القطع لدى الإخباري، فهذا لا يعني عدم حصوله لدى غيره؛ لأن كلامنا فيما لو فُرض حصول القطع، فهل هو حجة أو لا؟