البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٧٩ - ما يُلاحظ على التوجيه السابق
الشرعي، تارة يُراد به القطع بالحكم المجعول، و أخرى يُراد به القطع بمجرد الجعل، و الأول، يعني: أنّه لا ثبوت للحكم المجعول إذا قطع المكلّف عن طريق الدليل العقلي بثبوت المجعول؛ و ذلك لتوقف ثبوت الحكم المجعول على ثبوت موضوعه، و وفقاً لهذا النحو من التقييد، سوف يكون القطع العقلي بالمجعول مانعاً عن ثبوت المجعول؛ لأخذ عدمه قيداً في موضوعه.
و الثاني، يعني: أنه لا ثبوت للمجعول إذا قطع المكلّف بالجعل الشرعي عن طريق الدليل العقلي؛ لفرض أخذ عدم هذا النحو من القطع قيداً في المجعول، و كلا هذين النحوين من التقييد واضح البطلان.
أمّا الأول، فلاستحالته؛ و ذلك لأنّ القطع بالمجعول يساوق- في نظر القاطع- ثبوت المجعول فعلًا، فمن قطع بفعلية وجوب الصلاة نتيجة لقطعه بتحقق موضوعها، يعني- بنظر القاطع- ثبوت وجوب الصلاة في ذمته ثبوتاً فعلياً، الأمر الذي لا يمكن له معه أن يصدّق في نفس الوقت بانتفائه، الذي هو مقتضى التقييد المتقدم، بل لا يمكنه التصديق حتى باحتمال انتفائه فضلًا عن التصديق بانتفائه؛ لأنه من الجمع بين النقيضين كما هو واضح.
و أما الثاني، فهو و إن لم تكن تلك الاستحالة منطبقة عليه؛ إذ بإمكان القاطع بالجعل الشرعي أن يصدّق و بمستوى القطع بعدم ثبوت المجعول في حقّه، و لا يلزم من ذلك أي تناقض، فهو نظير القطع بجعل الشارع لوجوب الحج- مثلًا- مع القطع بعدم ثبوت وجوب الحج الفعلي في ذمته، كما لو قطع بعدم استطاعته، فلا محذور في أن يجتمع القطع بشيء مع القطع بعدم شيء آخر حتى لو كان ذلك الشيء الآخر مترتباً عليه، كما أنه لا محذور في أن يؤدي القطع بشيء إلى القطع بعدم شيء آخر.
و في المقام، و إن لم يكن هناك محذور في أن يؤدي القطع من طريق خاص بالجعل الشرعي إلى القطع بعدم ثبوت المجعول المترتب على ذلك الجعل الشرعي لو فرض أخذ عدم حصوله من ذلك الطريق الخاص قيداً في الحكم المجعول، و لكن، مع ذلك، لا يمكن التصديق بعدم فعلية المجعول عند القطع بالجعل الشرعي و إن كان من ذلك الطريق الخاص؛ و ذلك لأنّه خلاف المفروض؛ إذ المفروض هنا قيام الدليل العقلي