البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٨٥ - بيان منشأ الأمر الثاني من الأمرين المتقدمين
و الوجوب، على نحو لا يكون هناك أي فرق بين الواجب التعبدي و التوصلي في عالم جعل الحكم و الوجوب من حيث عدم أخذ قصد القربة قيداً أو جزءاً في متعلق الوجوب بلسان الدليل، بل الوجوب فيهما معاً متعلق بذات الفعل، خلافاً للصورة الأولى؛ حيث كان الوجوب في التعبدي متعلق بالفعل المقيد بقصد القربة، و في التوصلي بذات الفعل خاصة.
نعم، الاختلاف بينهما إنما يكون في عالم الملاك من حيث إن الوجوب في التعبدي ناشئ من ملاك لا يستوفى بمجرّد الإتيان بالفعل بدون قصد القربة، بل لا بدّ من ضم قصد القربة إليه، و في التوصلي ناشئ من ملاك يتم استيفاؤه بمجرّد الإتيان بالفعل و إن لم يكن بقصد القربة.
بيان منشأ الأمر الثاني من الأمرين المتقدمين:
قوله (قدس) ص ٣٦٠: «و منشأ هذا الكلام هو احتمال استحالة ... الخ».
المتأمل في الأمرين المتقدمين لبيان منشأ الاختلاف بين الواجب التعبدي و الواجب التوصلي، يجد أن الأمر الأول منهما لا ينفي كون الاختلاف بينهما يعود في واقعه و حقيقته إلى عالم الملاك، بل إن الاختلاف بينهما في مرحلة جعل الحكم و الوجوب بهذا النحو يكشف قطعاً عن الاختلاف بينهما في عالم الملاك؛ فإن القيد إذا كان مأخوذاً في الواجب بلسان الدليل، فهو دخيل في ترتب المصلحة و استيفائها، و هو ما مرّت الإشارة إليه في التمييز بين شروط الاتصاف و شروط الترتب.
بينما نجد أنّ الأمر الثاني منهما ينفي كون الاختلاف بينهما في عالم جعل الحكم و الوجوب و يقصره على عالم الملاك، و من المعلوم: أن هذا النفي لا مبرّر له إلا إذا التزمنا بوجود مانع يحول دون ذلك، من قبيل: استحالة أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق نفس الأمر، و إلّا، فما دام مأخوذاً في الملاك بهذا النحو فلما ذا لا يؤخذ أيضاً في عالم الجعل [١]؟
[١] قد يقال: إنّه إذا فرض استحالة أخذ قصد القربة و الامتثال في عالم الجعل و الوجوب، فمن أين حصل لنا العلم بأنّ بعض الواجبات تعبدية و بعضها توصلية و الحال أنّ الكاشف عن ذلك هو لسان الدليل؟ و مع هذه الاستحالة لا يوجد ما يكشف عن ذلك.
كان الجواب: إن الوقوف على أن بعض الواجبات تعبدية و بعضها توصلية إنما حصل بالدليل الخاص، و ليس بالضرورة أن يحصل العلم بذلك من نفس دليل الواجب، و بمقتضى ذلك الدليل الخاص، حصل لنا العلم بأنّ بعض الواجبات لا يخرج المكلف من عهدتها إلا إذا أتى بها بقصد القربة، و بعضها ليس كذلك، و من هنا، قسمت الواجبات إلى تعبدية و توصلية، و صنّفت بعض الواجبات بأنها تعبدية لدلالة الدليل الخاص على ذلك، من قبيل: الصلاة، و الصوم، و غيرهما مما يصنّف في كتب الفقه من الواجبات التعبدية، فمع الالتزام باستحالة أخذ قصد امتثال الأمر في متعلقه بلسان الدليل و عدم وجود الدليل الخاص بالنسبة لهذا الواجب أو ذاك، سوف يحصل الشك في كونه تعبدياً أم توصلياً، فوقع البحث بين الأصوليين في تحديد القاعدة أو الأصل الذي يرجع إليه في تحديد ذلك.