البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٧٤ - الثالثة استحالة اجتماع الأمر و النهي ترجع إلى أحد سببين
المصلحة و المفسدة أو المحبوبيّة و المبغوضيّة ضدان لا يجتمعان في فعل واحد في زمان واحد، فالفعل الذي يكون واجداً للمصلحة و محبوباً لدى المولى لا يمكن أن يكون في نفس الوقت واجداً للمفسدة و مبغوضاً لديه، وعليه، تكون الأحكام التكليفية متضادة فيما بينها، الأمر الذي يعني: استحالة اجتماع الأمر و النهي على فعل واحد في زمان واحد.
و أما الدليل على الثاني- و هو التنافي بين الأحكام في عالم الامتثال- فهو ضيق قدرة المكلّف عن امتثال كل من الأمر و النهي المتعلقان بفعل واحدٍ في آنٍ واحد؛ لأن القادر على الفعل و الترك إذا صرف قدرته لإيجاد الفعل فلا يكون قادراً في عين الوقت لصرفها في تركه؛ لأنه بحسب الفرض أراد الفعل، نعم، يمكن له إعدام ذلك الفعل في زمان آخر، و لكن ليس هذا محل كلامنا، بل كلامنا الفعل و الترك في آن واحد، فإذا تعلق الأمر بفعل، فإن امتثاله يتطلب إيجاد ذلك الفعل، فإذا صرف قدرته في إيجاده، لم يكن بمقدوره أن يتركه امتثالًا للنهي إذا فرض تعلقه به، و هذا يعني أن المكلّف غير قادر على امتثال الأمر و النهي في آن واحد، و هذا سبب استحالة اجتماع الأمر و النهي بلحاظ عالم الامتثال.
لكن ضيق قدرة المكلف عن الجمع بين الحكمين في مقام الامتثال، إنما يكون سبباً لامتناع جعل هذين الحكمين فيما إذا لم يمكن الترتب بينهما، و هو ما بحثناه في القدرة التكوينية في بحث الأمرين بالضدين.
و حيث إن ما نحن فيه من الأمر و النهي و الوجوب و الحرمة لا يمكن الترتب بينهما بالنحو الذي يحكم بوجوب الصلاة فيما لو لم يمتثل النهي المتعلق بها أو يحكم بحرمتها فيما لو لم يمتثل الأمر المتعلق بها، فإن مثل هذا الترتب و التقييد غير معقول؛ لأنه من تحصيل الحاصل، و هو مستحيل، إذ أن من لم يمتثل النهي عن الصلاة فقد صلّى، فلا معنى للأمر بها حينئذ، و كذلك من لم يمتثل الأمر بالصلاة فقد ترك، فلا معنى النهي عنها حينئذٍ؛ لأن النهي عنها يتطلب تركها، و هو حاصل بحسب الفرض.
وعليه، فلو ضاقت قدرة المكلّف عن امتثال كل من الأمر و النهي و لم يمكن الترتب بينهما، فإن هذا سوف يؤدي حتماً إلى استحالة جعلهما، و هذا ما نعنيه من استحالة اجتماع الأمر و النهي.