البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٧٢ - ثانياً ادعاء كون الآيات الناهية رادعة عن السيرة العقلائية
هو:
كون هذه العمومات رادعة عن السيرة العقلائية، فهنا احتمالان يجب الكلام في كل واحد منهما على حدة.
أولًا: ادعاء كون الآيات الناهية رادعة عن سيرة المتشرعة
هذا هو أحد الاحتمالين السابقين، فإن كان المراد بدعوى الرادعية السابقة هو هذا، فهو خلاف الواقع؛ و ذلك لأنّ هذه الدعوى تستبطن الالتزام بوجود سيرة متشرعية قائمة على العمل بأخبار الثقات، و من المعلوم أنّ دعوى وجود سيرة من هذا القبيل مع وجود تلك العمومات، يكشف عن عدم كفاية تلك العمومات للردع، بل يكشف عن عدم رادعيتها أصلًا، و إلّا، فلو كانت رادعة عن العمل بالظن الناشئ من خبر الثقة أيضاً، أو على الأقل صلاحيتها لذلك، و مع ذلك تجد أن المتشرعة يعملون بخبر الثقة، فهذا مرجعه إلى أحد احتمالين:
الأول: أن يكون المتشرعة قد غفلوا عن تلك العمومات الرادعة.
الثاني: أن يكونوا مطلعين عليها، و لكنّهم لم يأخذوا بها عصياناً، أو لعدم المبالاة في الدين، أو غير ذلك.
و كل واحد من هذين الاحتمالين باطل، أمّا بطلان الأول، فلانّه من المستبعد جدّاً أن يكون جميع المتشرعة قد غفلوا عنها؛ لأن ذلك بعيد بحساب الاحتمالات؛ فإن احتمال أن يكون واحداً منهم قد غفل عنها، أو اثنين، أو ثلاثة، ممكن، و أما أنّهم جميعهم قد غفلوا عنها، فهذا بعيد جداً.
و أما بطلان الاحتمال الثاني، فلأنه خلاف كونهم متشرعة، إضافة إلى ما هو المعروف عنهم من الورع، و التقوى، و غير ذلك، مما يجعلنا نقطع بعدم تصور هذا الاحتمال في حقهم.
و بهذا نثبت عدم صلاحية تلك العمومات للردع عن سيرة المتشرعة، بل قيام السيرة على العمل بخبر الثقة دليل قطعي على عدم كون تلك العمومات رادعة. هذا إذا أريد من كونها رادعة، كونها رادعة عن سيرة المتشرعة.
ثانياً: ادعاء كون الآيات الناهية رادعة عن السيرة العقلائية
هذا هو الاحتمال الثاني لدعوى الرادعية، بأن يكون المقصود كون تلك العمومات رادعة
عن السيرة العقلائية، فإن كان المقصود هو هذا، فيمكن أن يكون له وجه؛ باعتبار أن العقلاء