البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٠٥ - الأدلة المحرزة ٢- الدليل العقلي
الأدلة المحرزة ٢- الدليل العقلي
إن الفقيه عند ما يريد أن يستنبط الحكم الشرعي لأية واقعة من الوقائع، لا بد له أن يعتمد على أحد نوعين من الأدلة:
أولهما: الأدلة التي يتم على أساسها تحديد و تشخيص الحكم الشرعي لتلك الواقعة، و تسمى الأدلة في هذه الحالة بالأدلة المحرزة؛ لأنها يحرز بها الحكم الشرعي.
و ثانيهما: الأدلة التي يتم على أساسها تحديد الوظيفة العملية عند الشك في الحكم الشرعي، من دون أن يكون لها أيّ نظر إلى تحديد و تشخيص الحكم الشرعي من حيث كونه وجوباً، أو حرمةً، أو غيرهما من الأحكام الأخرى، سواء كانت تكليفية، أم وضعية [١].
و يسمى هذا النوع من الأدلة بالأدلة العملية، أو الأصول العملية. و اعتماد الفقيه على هذا النوع من الأدلة، إنما يكون في حالة عدم عثوره على دليل من القسم الأوّل، فهناك طولية بين هذين النوعين من الأدلة، بحيث لا تصل النوبة إلى الأصل العملي إلا بعد فقدان الفقيه لدليل من النوع الأوّل.
ثم إن الأدلة من النوع الأول- و هي الأدلة المحرزة- تنقسم إلى قسمين:
[١] فإنّ من قبيل أصالة الطهارة مثلًا عند ما يعتمد الفقيه عليها في اثبات طهارة مشكوك الطهارة و النجاسة، ليس فيها أيّ نظر إلى تشخيص الواقع و تحديده من حيث كون المشكوك المعيّن محكوماً بالطهارة، بل غاية ما يستفاد من هذا الأصل، هو: تحديد الموقف للمكلف من الناحية العملية، باعتبار أنّ المكلّف في مثل تلك الحالة يقع في حيرة من أمره من ناحية جواز استعمال المشكوك فيما يشترط فيه الطهارة أو عدم جوازه، فيأتي مثل هذا الأصل ليقول للمكلّف: تعامل مع هذا المشكوك كما لو كان طاهراً.