البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٦١ - النقطة الثانية في بيان ما هو الموضوع للحجّية من الظهورين المتقدمين
الظهور الذاتي؟ أم أنّه الظهور الموضوعي؟
و الإجابة على هذا السؤال، تتضح من خلال معرفة الأساس الذي تقوم عليه حجّية الظهور، فعند ما نقول: أن الظهور حجّة، نريد بذلك أن نكتشف مراد المتكلّم اعتماداً على ظاهر كلامه، و الأساس الذي يقوم عليه هذا الاكتشاف، هو عبارة عن: التمسك بظاهر حال المتكلّم؛ حيث إنّ ظاهر حال كل متكلّم إرادة ما هو المعنى الظاهر من اللفظ، بحيث لو اراد خلاف الظاهر لنصب قرينة على ذلك، و من الواضح: أنّ ظاهر حال كل متكلّم- باعتباره إنساناً عرفياً يجري في مقام التفهيم على وفق قوانين لغته و عرفه و يتعامل مع أبناء عرفه، على وفق الأساليب العامّة في التعبير و المحاورة- هو: إرادة ما هو المعنى الظاهر موضوعياً، أي: الظهور المستند إلى الوضع، و القوانين العامّة في التعبير، لا ما هو الظاهر ذاتياً و الذي يحصل نتيجة لملابسات شخصية في ذهن هذا السامع أو ذاك، و الذي قد لا يعلم به المتكلّم، أو لا يخطر بباله أحياناً في وقت صدور الكلام منه، فالمتكلّم غير مسئول عما يفهمه السامع من كلامه نتيجة لأنس شخصي و ذاتي مختص به [١] كما هو واضح، فكيف
يمكن أن يجعل هذا كاشفاً عن مراد المتكلّم؟!
إذن، لا ينبغي الإشكال في أن موضوع أصالة الظهور، هو عبارة عن: الظهور الموضوعي لا الظهور الذاتي.
و لكن، يأتي هنا سؤال آخر يطرح نفسه في المقام، و هو: أنّه إذا كان موضوع الحجّية هو الظهور الموضوعي لا الظهور الذاتي، فكيف يمكن احراز ذلك مع أن ما بيد كل إنسان وجداناً هو الظهور الذاتي ليس إلا كما هو واضح؟
و الجواب على هذا السؤال: إنّه يمكن احراز الظهور الموضوعي عن طريق الظهور الذاتي؛ باعتباره أمارة عقلائية على تعيين الظهور الموضوعي، بمعنى: أنّ السيرة العقلائية قائمة على جعل ما يتبادر و ينسبق من معنى عند كل شخص أمارة و كاشفاً عن الظهور الموضوعي المشترك عند العرف؛ لأنّ كل شخص إذا انسبق إلى ذهنه معنى معيّن من اللفظ،
[١] نعم، هو مسئول عما يشترك في فهمه أبناء العرف و المحاورة من كلامه، و هذا هو معنى حجّية الظهور، أي: كونه منجزاً و معذراً.