البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٩٣ - القول الأوّل عدم حجّية العام في الباقي بعد التخصيص
في مسألة حجية الظواهر التضمنية قولان:
و يوجد في هذه المسألة قولان:
القول الأوّل: عدم حجّية العام في الباقي بعد التخصيص
قوله (قدس) ص ٢٩٣: «و قد ذهب بعض الأصوليين إلى سقوط ... الخ».
و استدل لهذا القول بأن حجّية العام في تمام افراده إنّما هي باعتبار الظهور التصديقي بأنّ أداة العموم قد استعملت في معناها الحقيقي، و هو: الشمول و الاستيعاب، و بعد أن علم بعدم إرادة المعنى الحقيقي منها، و إنّما أريد منها المعنى المجازي بقرينة المخصص الذي أخرج بعض أفراد العام، لم يبق لدينا ما يمكن أن نتمسك به لإثبات شمول الحكم لجميع الباقي؛ لأنه في هذه الحالة لا فرق بين مجاز و مجاز، فكما يمكن أن يكون قد استعملها في تمام التسعة الباقية، فكذلك يمكن أن يكون قد استعملها في الثمانية أو السبعة، أو الستة، و هكذا، ما دامت كلها من الاستعمال المجازي [١].
و توضيح ذلك: إن الطريق المتبع لاكتشاف المراد الجدي للمتكلم من ظاهر كلامه، هو: الانتقال من الدلالة التصورية للكلام إلى الدلالة التصديقية الأولى، و منها إلى الدلالة التصديقية الثانية؛ وفقاً لأصالة التطابق بين الدلالة التصورية و الدلالة التصديقية الأولى من جهة، و بين الدلالة التصديقية الأولى و الثانية من جهة أخرى. فلو قال المتكلّم مثلًا: «رأيت أسداً»، فالدلالة التصورية لذلك، هي عبارة عن: الصورة الذهنية للمعنى المتحصل من ذلك الكلام، و هي عبارة عن: رؤية الحيوان المفترس، و عن طريق هذه الدلالة- و وفقاً لأصالة التطابق الأولى- يتم الانتقال إلى الدلالة التصديقية الأولى، فنقول: إن المتكلم كان قاصداً لإخطار صورة الحيوان المفترس في ذهننا، تمسكاً بظهور حاله،
[١] قال ابن الشهيد الثاني في المعالم، ص ١١٧:) احتج منكر الحجية مطلقاً بوجهين: الأول: أن حقيقة اللفظ هي العموم و لم يُرد، و سائر ما تحته من المراتب مجازاته. و إذا لم تُرد الحقيقة، و تعددت المجازات، كان اللفظ مجملًا فيها، فلا يحمل على شيء منها. و تمام الباقي أحد المجازات، فلا يحمل عليه، بل يبقى متردداً بين جميع مراتب الخصوص، فلا يكون حجة في شيء منها. و من هذا يظهر حجة المفصل، فان المجازية عنده إنما تتحقق في المنفصل، للبناء على الخلاف في الأصل السابق. الثاني: أنه بالتخصيص خرج عن كونه ظاهراً، و ما لا يكون ظاهراً لا يكون حجة».