البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٥٢ - الثانية الاضطرار بسوء الاختيار بلحاظ مرحلة الخطاب
و المراد بالاضطرار بسوء الاختيار، هو: ما نشأ من الاضطرار بسبب العصيان أو التعجيز [١] فإن كلًا منهما يجعل المكلّف عاجزاً و مضطراً إلى عدم الامتثال، و لكنه اضطرارٌ بسبب سوء اختيار المكلّف و ليس خارجاً عن اختياره كما هو واضح.
الثانية: الاضطرار بسوء الاختيار بلحاظ مرحلة الخطاب
وقع الخلاف بين الأصوليين في أن الاضطرار بسوء الاختيار هل ينافي الاختيار خطاباً أم لا؟
قد يقال بمنافاته له، بدعوى أنّ التكليف يسقط بطرو العجز مطلقاً، سواء كان هذا العجز بسوء الاختيار أم لا، و سواء كان منافياً للإدانة و العقاب أم لا؛ إذ ليس التكليف كالإدانة، فإن مجرّد كون التكليف مقدور حدوثاً لا يبرّر التكليف به مع عدم القدرة عليه؛ لأنه على كل حال هو تكليف بغير المقدور، و هو مستحيل عقلًا، و بناءً على ذلك، يكون العجز الناشئ بسبب العصيان أو التعجيز مسقطاً للتكليف أيضاً، وعليه.
و بناءً على هذا، فالفرق بين الاضطرار بسوء الاختيار و الاضطرار لا عن اختيار، ينحصر في الإدانة في الأول و عدمها في الثاني، و أما بالنسبة إلى التكليف و توجه الخطاب، فهو ساقط في كلتا الحالتين، و على هذا الأساس، أردفوا قولهم السابق: «إن الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً» بقولهم: «لكنّه ينافيه خطاباً»، فكما لا يمكن أن يتوجه الخطاب للعاجز لا بسوء اختياره، فكذلك لا يمكن أن يتوجه إليه و إن كان بسوء اختياره؛ لأن المانع في الحالتين واحد، و هو العجز و عدم القدرة ليس إلّا، و لا يعقل تكليف العاجز، وعليه، سوف يسقط التكليف مطلقاً [٢].
[١] أما العجز الطارئ، فإن كان المكلّف يعلم به و مع ذلك لم يمتثل التكليف قبل طروّه، فهو داخل في العصيان كما وضحنا ذلك، و إن كان لا يعلم به، فقد قلنا بعدم الإدانة في هذه الحالة
[٢] قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج ١، ص ١٩٧: «ان مناط حكم العقل باعتبار القدرة انما هو قبح تكليف العاجز، و هذا انما يكون إذا كان الشخص عاجزاً بنفسه و بذاته، بحيث لا يكون له إلى الفعل سبيل، كالطيران في الهواء، فإن التكليف بمثل هذا قبيح على المولى، كما يقبح العقاب منه عليه. و أما إذا لم يكن الشخص عاجزاً بنفسه و بذاته، بل هو عجز نفسه بسوء اختياره و سلب عنه القدرة، ففي مثل هذا لا يحكم العقل بقبح عقابه و إن قبح تكليفه بعد عجزه، و لا ملازمة بين قبح التكليف و قبح العقاب، فإن قبح التكليف لمن عجز نفسه انما هو لمكان لغوية التكليف؛ حيث لا يصلح أن يكون التكليف محركاً و باعثاً نحو الفعل، و هذا بخلاف العقاب؛ فإنه لا يقبح عقابه بعد ما كان الامتناع بسوء اختياره. و هذا معنى ما يقال: ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فإنه انما لا ينافيه عقاباً لا خطاباً».