البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٦٥ - الثانية في بيان معنى الترتب و موضوع البحث في المسألة
يكونان في مرتبة واحدة، كوجود زيد و وجود عمر؛ إذ لا طولية بينهما، إذ يمكن وجودهما في عرض واحد.
و أما المقصود بالترتب في المقام، و الذي يبحث عنه في علم الأصول في باب التزاحم، فهو: عبارة عن: الطولية بين حكمين شرعيين على نحو يكون ثبوت أحدهما منوطاً بعدم الاشتغال بامتثال الواجب الآخر، بحيث يكون عدم الاشتغال به قيداً دخيلًا في فعلية الواجب الآخر. كالترتب بين أحد الواجبين المتزاحمين و الواجب الآخر، كترتب وجوب الصلاة في المسجد على عدم الاشتغال بإزالة النجاسة عنه، أو ترتب وجوب انقاذ أحد الغريقين على عدم الاشتغال بانقاذ الغريق الآخر.
ثم إن الترتب بين حكمين شرعيين و تقييد أحدهما بعدم الاشتغال بالآخر، تارة يعلم من قبل نفس الشارع، بحيث يثبت عن طريق الجعل الشرعي تقييد أحد الحكمين بعدم الاشتغال بامتثال متعلق الحكم الآخر [١]، و أخرى مما يفرضه حكم العقل لأجل تصحيح الأمرين بالضدين.
و النحو الأول من الترتب لا علاقة له ببحث التزاحم المبحوث عنه في المقام اطلاقاً، و الترتب الذي وقع محلًا للبحث في باب التزاحم من جهة إمكانه أو عدم إمكانه هو الترتب الذي يفرضه حكم العقل من أجل تصحيح الأمرين بالضدين و اخراجهما من
[١] و هناك ترتب و طولية بين الحكمين الشرعيين، و لكنّه نوع آخر من الترتب غير الترتب المبحوث عنه في المقام؛ و ذلك من قبيل ترتب وجوب التيمم على عدم فعلية وجوب الوضوء، كما في حالة فقدان الماء، أو عدم التمكن منه لمرض، أو غيره. و هذا النحو من الترتب يختلف عن الترتب محل البحث، من جهة أن هذا النحو من الترتب يفترض فيه تقييد أحد التكليفين بعدم فعلية التكليف الآخر، بينما الترتب محل البحث يفرض فيه تقييد أحد التكليفين بعدم الاشتغال بامتثال التكليف الآخر مع فرض فعليته.
ثم أنّه ليس المقصود بالترتب الذي قلنا أنّه يعلم من الشارع هذا النحو من الترتب، و إن كان طريق العلم به منحصر بالشارع أيضاً، بل المقصود هو الترتب بمعنى: تقييد أحد التكليفين بعدم الاشتغال بالآخر، لا تقييده بعدم فعليته، و إن أمكن التمثيل له بنفس المثال المتقدم، و لكن على نحو يكون وجوب التيمم مقيداً بعصيان وجوب الوضوء، بحيث لم يبق من الوقت ما يسع المكلف معه الوضوء فيحكم بوجوب التيمم، إلا أنّ هذا النحو من الترتب و إن كان كالترتب الذي يفرضه حكم العقل لكنّه لم ينشأ من التزاحم بين الوجوبين، بينما الترتب الذي يفرضه حكم العقل، هو ما نشأ من التزاحم بين التكليفين في مقام الامتثال.