البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣١ - اثبات الأمر الأول من الأمور الثلاثة المتقدمة
بما هو مفيد للظن، مع أنّنا نريد أن نثبت الحجّية في حالة عدم إفادة قوله و خبره للعلم، الذي هو موضوع الاستدلال كما هو واضح.
الوجه في توقف الاستدلال على الأمر الثالث:
و أمّا توقفه على كون وجوب الحذر حتى مع عدم حصول العلم لدى السامع مساوقاً للحجّية شرعاً، فلأنّه لو لم يكن كذلك، بل كان وجوب الحذر في هذه الحالة بملاك آخر، و بنكتة أخرى غير حجّية قول المنذر، لما كانت الآية دليلًا على حجّية خبر الواحد كما هو واضح.
وعليه، فلكي يتم الاستدلال، لا بدّ من إثبات كل واحد من الأمور الثلاثة المتقدمة، فإن تمت جميعاً، تم الاستدلال بالآية، و إلّا فلا.
اثبات الأمر الأول من الأمور الثلاثة المتقدمة:
و لإثبات أول الأمور الثلاثة المتقدمة، و هو: دلالة الآية على وجوب الحذر، فقد ذكرت عدّة وجوه [١]:
أوّلها: إنّ الحذر وقع مدخولًا لأداة الترجي «لعلّ»، فتدل على مطلوبيته؛ لأن معنى الترجي في «لعلّ»، أن يكون ما بعدها محبوباً، و إذا كان كذلك، كان راجحاً لا محالة؛ إذ لا معنى لمحبوبيته إلّا كونه راجحاً، و هذا يعني: مطلوبيته، و إذا ثبت كونه مطلوباً كان واجباً؛ و ذلك لأن الحذر، إمّا أن يكون له مبرّر يقتضيه، أو لا يكون له ذلك، فإن كان له مبرّر كان واجباً؛ إذ لا معنى لاستحباب الحذر و عدم وجوبه مع فرض وجود ما يقتضيه، و إن لم يكن له مبرّر، فلا معنى لمطلوبيته فضلًا عن وجوبه، و حيث ثبت أنه مطلوب فلا بدّ أن يكون واجباً [٢].
[١] و قد أضاف الشيخ الأنصاري وجهاً آخر لاثبات وجوب الحذر في الآية- بعد وضوح ثبوت رجحانه بمجرد قول المنذر- و هو عبارة عن: أنّ رجحان العمل بخبر الواحد مستلزم لوجوبه؛ و ذلك للإجماع المركب؛ لأنّ المحققين بين قائل بوجوب العمل به، و بين قائل بحرمة العمل به، و لا ثالث عندهم في المقام، و على هذا، فكل مَن أجاز العمل به فقد أوجبه
[٢] هذا ما ذكره ابن الشهيد الثاني صاحب المعالم، ص ٤٧ حيث قال: «هذا الأمر للإيجاب و الالزام قطعاً؛ إذ لا معنى لندب الحذر عن العذاب أو إباحته، و مع التنزل، فلا أقل من دلالته على حسن الحذر حينئذ. و لا ريب أنه إنّما يحسن عند قيام المقتضى للعذاب، إذ لو لم يوجد المقتضي، لكان الحذر عنه سفهاً و عبثاً. و ذلك محال على الله سبحانه، و إذا ثبت وجود المقتضي، ثبت أن الأمر للوجوب، لأن المقتضي للعذاب هو مخالفة الواجب لا المندوب».