البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٨٠ - ما يُلاحظ على التوجيه السابق
القطعي على ثبوت تمام الملاك للحكم؛ إذ إنّ الجعل الشرعي يقع في مرتبة متأخرة عن ثبوت الملاك، فمتى ما تم الملاك في شيء، جعل الشارع حكماً شرعياً تبعاً لذلك الملاك، فإذا فرض حصول القطع بالجعل الشرعي، فهذا يعني: القطع بتمام ما له دخل في ملاك الحكم؛ لأن الملاك مدلول التزامي للجعل الشرعي، فكل ما يدل على الجعل الشرعي للحكم يدل بالدلالة الالتزامية على ملاك ذلك الحكم، فعند ما نستكشف جعل الشارع لوجوب الحج على المستطيع، فهذا يعني: ثبوت تمام الملاك لذلك الجعل.
فإذا فرض قيام الدليل العقلي القطعي على الجعل الشرعي، و بالتالي القطع بثبوت تمام الملاك للحكم، فكيف يمكن للقاطع أن يصدّق بوجود قيد آخر دخيل في ثبوت الحكم، بنحو يكون ذلك القيد دخيلًا في الملاك؟! فإن مثل هذا الأمر الذي يقتضيه التقييد المذكور، لا يعقل التصديق به من قبل القاطع بالجعل.
و بعبارة أخرى: إذا فرض أن المكلّف كان قاطعاً عقلًا بثبوت الملاك للحكم الشرعي نتيجة لقطعه بالجعل الشرعي، الذي هو بمثابة المعلول للملاك، فكيف يمكن له أن يصدّق بأنّ هذا الملاك قد أنيط بغير ما قطع عقلًا بثبوته، و الذي هو عبارة عن: عدم القطع العقلي بالجعل الشرعي؟! فإنّ هذا العدم لو كان دخيلًا في الملاك، فالمفروض أن لا يحصل له قطع بتمام الملاك، و المفروض أنه قد حصل له القطع عقلًا بثبوت تمام الملاك للحكم الشرعي، نتيجة لقطعه عقلًا بالجعل الشرعي، فالقطع بالجعل الشرعي ينفي دخالة أي شيء آخر في الملاك غير ما قطع عقلًا بثبوته.
و إذا فرض أنه كان قاطعاً عقلًا بثبوت الملاك للحكم الشرعي، و لكن على نحوٍ لا يمكنه الجزم بأنه تمام الملاك، بل يحتمل معه دخالة بعض القيود فيه، فإنّ مثل هذا القطع ليس حجّة في نفسه بلا حاجة إلى بذل عناية في تحويله من كونه طريقياً إلى كونه موضوعيّاً [١].
[١] قد يقال بأنّ هذا الفرض خارج عن محل الكلام، و لا علاقة له فيما نحن فيه؛ و ذلك لأنّ القطع بثبوت الملاك للحكم الشرعي، إن كان بسبب القطع العقلي بالجعل الشرعي، فهذا يعني: أنه تمام الملاك؛ لأنّ الجعل الشرعي لا يكون إلا بعد تمامية الملاك، فإن القطع بالجعل الشرعي يلازم القطع بتمامية الملاك، و هذا هو الفرض الأول، و إن كان القطع بذلك الملاك على نحو لا يمكنه الجزم بأنه تمام الملاك، لاحتمال تقييده بقيد ما مع فرض حصول القطع العقلي بالجعل الشرعي، فهذا القيد لا يمكن رجوعه إلى مرحلة سابقة على الجعل الشرعي، و إنما يمكن فرضه من نحو القيود المتأخرة عن مرحلة الجعل الشرعي، من قبيل احتمال تقييده بعدم مزاحمته لواجب معيّن، وعليه، فلو كان المقصود بهذا الفرض ملاحظة مطلق القيود، فهذا يعني بطلان الفرض الأول، و إن كان المقصود ملاحظة خصوص القيود السابقة على الجعل الشرعي، فهو مما لا محصل له، بل هو من التناقض الواضح، و إن كان المقصود القطع بذلك الملاك على نحو لا يمكنه الجزم بأنه تمام الملاك، لاحتمال تقييده بقيد ما، مع فرض عدم حصول القطع العقلي بالجعل الشرعي، فهو خارج عن محل البحث كما هو واضح.