البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٨٠ - الترتب تارة يكون من جانب واحد و أخرى من جانبين
الوجوبين يكون وجوبه مطلقاً على نحوٍ يكون متوجها إلى المكلف سواء اشتغل بالتكليف بالضد الآخر أم لا، و أنّ أياً منهما يكون وجوبه مقيداً بحيث يتوجه إلى المكلف في حالة عدم الاشتغال بالتكليف بالضد الآخر و يسقط إذا كان مشتغلًا فعلًا بالتكليف بالضد الآخر، لا بدّ من معرفة النسبة بين الملاكين، و معرفة أنّ أي الملاكين أهم عند الشارع من الآخر؛ لأن الأمر المتقدم- أي الإطلاق و التقييد- مرتبط بذلك كما تقدم بيانه.
فلو وقع التضاد بين واجبين كالصلاة و إنقاذ الغريق، بنحوٍ لا يمكن للمكلّف الجمع بينهما، بحيث لو اشتغل بالصلاة لما تمكن من إنقاذ الغريق، و لو اشتغل بإنقاذ الغريق لفاتته الصلاة، أو بين الصلاة و إزالة النجاسة عن المسجد بالنحو المتقدم أيضاً، فهنا: تارة نفترض أن الملاكين متساويان في الأهمية، بمعنى أن كلًا من الصلاة و إنقاذ الغريق، أو الصلاة و إزالة النجاسة عن المسجد كان بنفس الدرجة من الأهمية عند الشارع، و أخرى نفترض أن أحدهما أهم ملاكاً عند الشارع من الآخر، فإن كانا متساويين في الأهمية، كان الاشتغال بكل منهما مصداقاً لما حكم العقل بأخذ عدمه قيداً في التكليف، فلو اشتغل المكلف بالصلاة و ترك الإنقاذ أو ترك الإزالة، سقط عنه الأمر بالإنقاذ أو بالإزالة، و لو اشتغل بالإنقاذ أو بالإزالة و ترك الصلاة سقط عنه الأمر بالصلاة، و هذا
يعني: أن كلًا من وجوب الصلاة و وجوب الإنقاذ أو الإزالة مشروط بعدم الاشتغال بالآخر على نحو يكون الاشتغال بأحدهما مسقطاً للأمر بالآخر، و في هذه الحالة، يكون المكلف مخيراً عقلًا بالاشتغال بأيهما شاء، و يسمى هذا النحو من الترتب بالترتب من الجانبين، أي: ترتب كل من التكليفين على عدم الاشتغال بالآخر، و الذي يعني: أن الوجوب في كل منهما مقيد بعدم الاشتغال بالآخر.
و أما لو كان أحدهما أهم ملاكاً من الآخر، كان الاشتغال بالأهم مصداقاً لما حكم العقل بأخذ عدمه قيداً في وجوب التكليف، و الذي هو المهم بحسب الفرض، و لكن الاشتغال بالمهم و ترك الأهم لا يكون مصداقاً لما حكم العقل بأخذ عدمه قيداً في التكليف؛ و ذلك لما ذكرناه سابقاً من أن التكليف مشروط بعدم الاشتغال بضده الذي لا يقل عنه أهمية، و ليس مشروطاً بعدم الاشتغال بأي واجب آخر حتى لو كان أقل أهمية