البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٣٢ - تحقيق الحال في مسألة الشرط المتأخر
ليس كافياً لإبطال البرهان الذي أقامه أصحاب القول الأول [١]؛ لأن غاية ما اعتمد عليه هذا الجواب، هو: أن المشروط أو المقيد في المقام هو من الأمور الاعتبارية و ليس من الأمور التكوينية، و أن ما اعتمد عليه برهان الاستحالة يختص بالأمور التكوينية [٢]، و الحال أن دخالة الشرط في المشروط- سواء كان ذلك المشروط هو الواجب أم كان هو الوجوب- من الأمور التكوينية أيضاً؛ إذ أن كون الشرط شرطاً للوجوب أو الواجب ليس جزافاً، و إنما هو تابع لضابط معيّن و محدد تم تحديده و الإشارة إليه في بحث سابق، و مفاده: أن كل ما كان من شروط الاتصاف يؤخذ قيداً في الوجوب، و ما كان من شروط الترتب يؤخذ قيداً في الواجب، فما كان من شروط الوجوب يكون دخيلًا في اتصاف الفعل بالمصلحة، و ما كان من شروط الواجب يكون دخيلًا في ترتب تلك المصلحة و استيفائها.
و من الواضح: أن اتصاف الفعل المعيّن بكونه واجداً للمصلحة أمر تكويني لا اعتباري؛ إذ ليس معنى اشتراط وجوب الحج بالاستطاعة: أن الشارع اعتبر في فعل الحج مصلحة إذا كان المكلف مستطيعاً، بل معناه: أن فعل الحج واجد للمصلحة حقيقة و تكويناً إذا كان المكلف مستطيعاً، و من هنا، قلنا: إن الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد، و إلا لكان الأمر بهذا الفعل أو ذاك عبثياً؛ إذ مجرد اعتبار المصلحة في الفعل لا يصيّره ذا مصلحة حقيقةً.
[١] اعلم: إنّ إشكال استحالة الشرط المتأخر للوجوب له ثلاثة مواقع، فتارة يفرض بلحاظ عالم الجعل، و أخرى يفرض بلحاظ عالم المجعول، و ثالثة يفرض بلحاظ عالم الملاك، و الأجوبة المتقدمة إنما كانت صالحة لحل المشكلة بلحاظ عالم الجعل و عالم المجعول، و لكنها ليس صالحة لحلها بلحاظ عالم الملاك؛ لوضوح أنّ اتصاف الفعل بالمصلحة- المعبّر عنه بالملاك- هو من الأمور التكوينية و ليس من الأمور الاعتبارية
[٢] قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج ١، ص ٢٨٠: «و أما توهم أن امتناع الشرط المتأخر إنما يكون في التكوينيات دون الاعتباريات و الشرعيات التى أمرها بيد المعتبر و الشارع، حيث إن له أن يعتبر كون الشيء المتأخر شرطاً لأمر متقدم، ففساده أيضاً غني عن البيان؛ لأنه ليس المراد من الاعتبار مجرد لقلقة اللسان، بل للاعتباريات واقع، غايته أن واقعها عين اعتبارها، و بعد اعتبار شيء شرطاً لشيء و أخذه مفروض الوجود في ترتب الحكم عليه كما هو الشأن في كل شرط، كيف يمكن تقدم الحكم على شرطه؟ و هل هذا إلا خلاف ما اعتبره؟».