البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٢٨ - الثالثة أن يتعيّن المراد من المجمل بمجمل آخر يراد منه نفس المعنى
مباشرة كما كان في الحالة الأولى، بل بصورة غير مباشرة، و ذلك عن طريق تكفل الدليل الثاني لنفي أحد المحتملين الذين تردّد الدليل الأوّل بينهما، فإنه بضم هذا الدليل إلى المجمل، يثبت كون المراد من المجمل المحتمل الآخر، و يرتفع بذلك اجماله، كما لو ورد دليل مجمل يقول: «ادع عند رؤية الهلال»، و تردد المراد منه بين الوجوب و الاستحباب، و ورد دليل آخر يقول: «الدعاء عند رؤية الهلال ليس واجباً»، ففي هذه الحالة، سوف يرتفع اجمال الدليل الأوّل، ويتعيّن كون المراد منه هو الاستحباب خاصّة؛ لأنّه بحسب الفرض مردد بين الوجوب و الاستحباب، فإذا انتفى الوجوب بالدليل الثاني، تعيّن الاستحباب لا محالة [١].
الثالثة: أن يتعيّن المراد من المجمل بمجمل آخر يراد منه نفس المعنى
قوله (قدس) ص ٢٦٤: «و إما بمجمل آخر مردد بين محتملين ... إلخ».
و أما الحالة الثالثة، فهي: أن يأتي دليل آخر مجمل- أيضاً- و يكون مردّداً بين نفس المحتملين اللذين تردّد بينهما المجمل الأوّل، و لكن على نحو يعلم بأنّ المراد بالمجملين معاً معنى واحد، و ليس لهما إلّا معنى واحد قابل لأن يحملا عليه، فحينئذ، يحملان على ذلك المعنى الواحد، و يرتفع الاجمال في كل من الدليلين، كما حصل ذلك بالفعل بالنسبة إلى الروايات الواردة في تحديد الكر؛ فقد ورد في بعضها: «أن الكر ألف و مائتا رطل»، و ورد في بعضها الآخر: «أن الكر ستمائة رطل»؛ فإن الرطل في كل من الروايتين مجمل؛ إذ يتردد بين أن يكون المراد منه الرطل المكي أو الرطل العراقي، مع العلم بأن المراد من الروايتين معنى واحد، و هو تحديد مقدار الماء الذي لا ينفعل بالملاقاة؛ إذ لا نحتمل أن له حكمين، أحدهما: موضوعه الماء الذي مقداره ٦٠٠ رطل، و الآخر: الماء الذي مقداره ١٢٠٠ رطل بنفس الرطل السابق؛ فإن هذا غير معقول.
و العلم- أيضاً- بأنّه لا يوجد إلّا معنى واحد قابل لأن يحملا عليه، حتى يمكن الجمع بين
[١] ينبغي الالتفات إلى أنّه في مثل هذه الحالة يشترط أن يكون المجمل مردداً بين محتملين لا أكثر، و إلا فلو كان مردداً بين أكثر من محتملين فلا يرتفع إجمال المجمل بمجرد ورود دليل آخر ينفي أحد المحتملات؛ لأنه سوف يبقى مردداً بين المحتملين الآخرين و هو معنى الإجمال كما هو واضح، و هذا بخلاف الحالة الأولى المتقدمة فإنه لا وجه لمثل هذا الشرط فيها؛ لأنّ ورود الدليل الآخر يعيّن أحد المحتملات بصورة مباشرة، و معه، لا يفرق الحال سواء كان مردداً بين محتملين أو أكثر.