البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٦٣ - الأولى في بيان معنى التزاحم و الفرق بينه و بين التعارض
التزاحم و الترتب
تمهيد في نقطتين:
الأولى: في بيان معنى التزاحم و الفرق بينه و بين التعارض
المقصود بالتزاحم في المقام، هو: التنافي بين الحكمين في مقام الامتثال نتيجة لضيق قدرة المكلف عن امتثالهما معاً، و يفترق باب التعارض عن باب التزاحم، في ان باب التعارض يرجع إلى التنافي بين مدلولي الدليلين، أي: التنافي بين الجعلين بحيث لا يمكن جمعهما في مرحلة الجعل و التشريع لاستلزامه التناقض و اجتماع الإرادة و الكراهة في نفس الآمر بالنسبة إلى متعلق واحد، أو لزوم التكليف بما لا يطاق لتضاد المتعلقين ذاتاً مع اتحادهما في الحكم، كما إذا أوجب القيام دائماً و أوجب القعود كذلك، أو لتلازم المتعلقين تلازماً دائمياً مع اختلافهما في الحكم، كما إذا أوجب استقبال المشرق و حرم استدبار المغرب، أو غير ذلك مما لا يمكن فيه الجمع بين الحكمين ثبوتاً لتعاندهما في مقام تشريع الأحكام على موضوعاتها المقدرة وجوداتها، بحيث يلزم من الجمع بينهما إما اجتماع الإرادة و الكراهة في موضوع واحد، و اما لزوم التكليف بما لا يطاق، كل ذلك في مقام الجعل و التشريع.
و هذا بخلاف باب التزاحم، فإنه لم يكن بين الحكمين المتزاحمين منافرة و تعاند في مقام الجعل و التشريع، بل كان بينهما تمام الملاءمة و الموافقة، و انما نشأ التعاند في مقام فعلية الحكمين و تحقق موضوعهما خارجاً، كالمزاحمة بين انقاذ الغريقين، أو بين حرمة المقدمة و وجوب ذيها، كما لو توقف انقاذ الغريق على التصرّف في ملك الغير، أو غير ذلك من أقسام التزاحم الأخرى [١].
[١] قسم المحقق النائيني التزاحم إلى خمسة أقسام، فقال في فوائد الأصول، ج ١، ص ٣٣٥: «قد عرفت ان اقسام التزاحم خمسة: الأول: تضاد المتعلقين لاجتماعهما في زمان واحد، كالغريقين. الثاني: قصور قدرة المكلف عن الجمع بينهما من دون أن يكون بينهما مضادة، لاختلاف زمانهما، كالقيام في الركعة الأولى أو الثانية. الثالث: تلازم المتعلقين، كاستقبال القبلة و استدبار الجدى. الرابع: مقدمية أحد المتعلقين للآخر، كالتصرف في أرض الغير لإنجاء مؤمن. الخامس: اتحاد المتعلقين في الوجود، كالصلاة في الأرض المغصوبة».