البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٣٨ - البرهان على استحالة التكليف بغير المقدور
و بهذا، يتّضح أن القدرة ليست شرطاً في الجعل و الاعتبار في الصورة الأولى، و هذا بخلاف الصورة الثانية؛ فإن القدرة شرط في الجعل و الاعتبار.
مفاد الخطابات الشرعية هو جعل الحكم بداعي البعث و التحريك:
قوله (قدس) ص ٣٠٤: «و حيث إنّ مفاد الدليل عرفاً ... الخ».
و لكي نعرف أن القدرة شرط في هذه المرحلة أو لا. ينبغي لنا معرفة مفاد الدليل، و هل هو الجعل بداعي البعث و التحريك، أو هو مجرّد إبراز و إظهار أن المبادئ ثابتة في حق الجميع؟ فعلى الأول تثبت الاستحالة، و على الثاني لا تثبت.
و حيث إن الظاهر من الدليل عرفاً [١] هو: إن مفاده جعل الحكم بداعي البعث و التحريك، و حيث لا تحريك للعاجز، فسوف يختص التكليف المجعول بهذا الداعي بالقادر دون العاجز، فالخطابات الشرعية المبرزة لأحكامه تعالى تكشف عن كونها مجعولة بداعي البعث و التحريك، و الهدف منها ليس هو مجرّد إبراز المبادئ و الاعتبار بما هو اعتبار، بل إيجاد الداعي عند المكلّف لتحقيق هذه المبادئ من ملاك و إرادة.
البرهان على استحالة التكليف بغير المقدور:
و بعد استظهار كون مفاد الدليل عرفاً هو جعله بداعي البعث و التحريك، يكون البرهان على الاستحالة كالآتي:
إن الغاية من جعل التكليف بهذا الداعي هو حصول الانبعاث و التحرّك من قبل المكلّف، فإذا امتنع حصوله، امتنع جعله بهذا الداعي، و العاجز لا يمكنه الانبعاث و التحرّك، فلا معنى لإيجاد الداعي عنده؛ لأنه لا فائدة منه إلا الانبعاث، و هو ممتنع، فيمتنع جعله بهذا الداعي؛ لأنه لغو، و اللغو قبيح، فيقبح تكليف العاجز، و القبح مستحيل على ساحته تعالى المقدّسة، فيستحيل التكليف بغير المقدور.
و بهذا، يتبرهن القول باستحالة التكليف بغير المقدور، و يتّضح المراد من التكليف
الوارد في هذه القاعدة، من أنه بمعنى: جعل التكليف بداعي البعث و التحريك.
[١] و يكفي دليلًا لهذا الاستظهار ملاحظة الخطابات الشرعية المتكفلة لبيان التكاليف؛ حيث إنها جاءت بصيغة الطلب و لم تأت بصيغة الإخبار عن مجرّد إرادة المولى و حبه لتلك الأفعال.