البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٦٧ - ١- شرطية القدرة بالمعنى الأعم
١- شرطية القدرة بالمعنى الأعم
قوله (قدس) ص ٣١٢: «تقدم أن العقل يحكم بتقييد ... الخ».
كان الكلام فيما تقدم حول إمكان تعلق التكليف بغير المقدور، و قد انتهينا فيه إلى أنّ العقل يحكم باستحالة ذلك، الأمر الذي يعني حكم العقل بتقييد التكليف بالقدرة على متعلقه؛ و ذلك لاستحالة التحريك المولوي نحو غير المقدور [١].
و الكلام هنا في أنّ العقل هل يحكم بتقييد التكليف بتقييد زائد- و الذي هو: عبارة عن: عدم الابتلاء بضدّه- مضافاً إلى التقييد المتقدم، أم أنه لا يحكم بأكثر مما ذكر؟
و بعبارة أخرى: إنّ استحالة التكليف بغير المقدور، هل تختص بالتكليف الذي لا يكون متعلقه مقدوراً للمكلّف من جهة المانع التكويني فقط، أم أنها تشمل أيضاً التكليف
[١] وجه المناسبة و الارتباط بين بحث التكليف بغير المقدور و بحث التزاحم، هو: أنّ التزاحم بين واجبين يرجع في حقيقته إلى ايجاب الجمع بين الضدين، و هو غير مقدور للمكلّف قطعاً؛ و ذلك لضيق قدرة المكلّف عن امتثالهما معاً في آن واحد، فيكون من التكليف بغير المقدور و هو مستحيل.
إن قلت: إذا كان الأمر كذلك، فما هو الداعي لإفراد باب التزاحم ببحث مستقل مع أنه قد تقدّم البحث في استحالة التكليف بغير المقدور؟
كان الجواب: إنّ باب التزاحم و إن كان يشترك مع باب التكليف بغير المقدور في أنّ منشأهما ضيق قدرة المكلف و عجزه، إلا أنّه يفترق عنه في نقطة أساسية و مهمة، و هي: أنّ موضوع البحث بالنسبة إلى التكليف بغير المقدور، عبارة عن: متعلق واحد لحكم واحد لا يقدر المكلف على امتثاله، بينما موضوع البحث بالنسبة إلى التزاحم، هو: عبارة عن: متعلقين لحكمين لا يقدر المكلّف على الجمع بينهما بامتثال واحد.
و يترتب على هذا الفارق، أنّ مورد التزاحم قد يمكن اخراجه من باب التكليف بغير المقدور عن طريق تحويل الأمرين بالضدين من العرضية إلى الطولية عن طريق الترتب، فوقع البحث بين الأصوليين في إمكان ذلك و عدمه، و لأجله أفرد ببحث مستقل.