البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٨٤ - نتيجة البحث في الخصوصية الأولى
ذلك الأمر شيء آخر؛ إذ الثاني مساوق للترخيص الفعلي، بخلاف الأول؛ فإنه ترخيص وضعي قهري ناشئ من الضرورة التي يحتمها امتثال الطبيعة المأمور بها؛ فإن امتثالها لا يمكن أن يكون إلّا ضمن حصة خاصة، أما الترخيص في الثاني، فإنه ترخيص تكليفي ناشئ من قبل نفس الآمر. و ما هو مناف للنهي عقلًا هو الترخيص التكليفي الناشئ من قبل جاعل الأمر، لا الترخيص الوضعي الذي تفرضه ضرورة الامتثال و التطبيق الخارجي.
و بعبارة مختصرة: إن الترخيص الناشئ من اطلاق نفس الأمر ترخيص عقلي تفرضه ضرورة التطبيق الخارجي إما على هذه الحصة أو تلك، بخلاف الترخيص الناشئ من قبل نفس الآمر؛ فإنه ترخيص شرعي لا عقلي، و هذا الثاني هو المنافي للنهي عن الحصّة، لا الأول [١].
نتيجة البحث في الخصوصية الأولى:
و نتيجة البحث هنا في هذه الخصوصية، هي: إنّ الأمر بالطبيعة بنحو صرف الوجود و الاطلاق البدلي و إن لم يكن منافياً في مقام الامتثال للنهي عن حصّة خاصّة من حصصها إلا أنّه مناف له بلحاظ عالم المبادئ و الملاكات؛ و ذلك نتيجة لسراية تلك المبادئ من الجامع إلى تلك الحصص، الأمر الذي يعني: أنّ خصوصية الاطلاق و التقييد لا تكفي لوحدها لرفع التنافي بين الأمر و النهي بالنحو الذي يسوغ للمكلّف امتثال المطلق بالحصّة المنهي عنها، الأمر الذي يعني بالضرورة وقوع التعارض بينهما. و بهذا، ينتهي البحث في الخصوصية الأولى، و سوف يقع البحث بعدها في الخصوصية
الثانية التالية.
[١] و لتوضيح الصورة أكثر لا بأس بالالتفات إلى المثال التالي: لو قال لك والدك:) اسقني ماءً بارداً»، و كانت لديك أربعة أوان فيها ماء بارد، فمقتضى الاطلاق و عدم التقييد بهذا الإناء أو ذاك أنك مخير عقلًا بين هذه الأواني الأربعة و مرخص في أن تأتي له بالإناء الأول أو الثاني و هكذا. فهذا النوع من الترخيص الذي يقتضيه الاطلاق لا ينافي عقلًا أن ينهاك والدك عن الاتيان له بالإناء الثالث، و هذا بخلاف ما لو قال لك:) ائتني بالماء البارد من أي إناء شئت»، فإن هذا ترخيص من قبل نفس الآمر في التطبيق على أي إناء من الأواني الأربعة، فلو صدر النهي عن الإناء الثالث منفصلًا، لكان منافياً لذلك الترخيص في هذه الحالة. و الترخيص الذي يقتضيه الإطلاق هو من النحو الأول لا الثاني.