البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٧٠ - حكم العقل بتقييد التكليف بعدم الابتلاء بضده
لا خلاف في استحالة تعلق الأمر بالجمع بين الضدين:
من المعروف: أنّه لا خلاف في استحالة تعلق الأمر بالجمع بين الضدين على نحو يكون المطلوب من المكلف إيجاد كلا الضدين في آن واحد؛ و ذلك لعدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في آن واحد، فيكون من التكليف بغير المقدور، و هو مستحيل، وعليه، فلا يمكن أن يؤمر المكلف بالصلاة إذا كان مأموراً فعلًا بانقاذ الغريق على نحو يكون المطلوب منه فعلًا الجمع بينهما بامتثالهما في آن واحد؛ و ذلك لأنّ المكلّف في هذه الحالة و إن كان قادراً فعلًا على الصلاة قدرة تكوينية؛ إذ بإمكانه من الناحية التكوينية أن يأتي بمتعلق الأمر بالصلاة و إن كان مأموراً فعلًا بإنقاذ الغريق، فيستطيع من الناحية التكوينية أن يترك الإنقاذ و يصلّي، و إن كان عاصياً من جهة تركه للإنقاذ، و لكن الممتنع- و الذي لا يقدر عليه المكلّف- هو: الجمع بين الصلاة و بين إنقاذ الغريق، وعليه، فلا يمكن أن يكلّف بالجمع بين التكليفين؛ لأنه ليس للمكلّف إلا قدرة واحدة، فإن صرفها في امتثال أحد التكليفين عجز عن امتثال التكليف الآخر في نفس ذلك الوقت [١].
و على هذا، فكما لا يمكن أن يؤمر بالصلاة- مثلًا- مَنْ كان عاجزاً تكويناً عن أدائها لمرض أو غير ذلك، فكذلك لا يمكن أن يؤمر بالصلاة مَنْ كان مكلّفاً فعلًا بإنقاذ غريقٍ تفوت بإنقاذه الصلاة و إن كان قادراً عليها تكويناً.
حكم العقل بتقييد التكليف بعدم الابتلاء بضده:
قوله (قدس) ص ٣١٣: «و ذلك يعني وجود قيد آخر ... الخ».
و من خلال ما تقدّم، يتضح: أن العقل كما يحكم بتقييد التكليف بالقدرة التكوينية على متعلقه بمعنى: أن لا يكون عاجزاً تكويناً عن إيتائه، كذلك يحكم- و مضافاً إلى ذلك- بتقييد التكليف بأن لا يكون المكلف مبتلى بالأمر بالضد الآخر على نحو يكون مأموراً
بالجمع بين
[١] و إن كان متمكناً من امتثاله في وقت لاحق، إلا أنّه سوف يخرج حينئذ من باب التزاحم و طلب الجمع بين الضدين؛ و ذلك لأنّ المناط في التزاحم، هو: ضيق قدرة المكلف عن امتثالهما في زمان واحد لأجل المضادّة بين متعلقيهما في مقام الامتثال، و هذا لا يكون إلا مع فرض وحدة الزمان، و إلا- فمع تعدده- لا مضادة بينهما كما هو واضح.