البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٨ - مناقشة الأمر الثالث
لا؟ لا يمكن التمسك بإطلاق الآية لإثبات مطلوبية الحذر في هذه الحالة.
و من هذين الوجهين، يتضح أنّه لا إطلاق في وجوب الحذر لحالة عدم حصول العلم لدى السامع من قول المنذر، و بذلك يبطل الأمر الثاني من الأمور الثلاثة التي يعتمد عليها الاستدلال بالآية على حجّية خبر الواحد، و مع بطلان هذا الأمر، لم يبق معنى للأمر الثالث أصلًا؛ لأنه مترتب على كون الحذر واجباً مطلقاً كما هو واضح.
و حينئذٍ، فإن تمت هذه المناقشة في الأمر الثاني، بطل الاستدلال بالآية، و معه، لا حاجة إلى البحث عن تمامية الأمر الثالث أو عدم تماميته، و إن لم تتم، تصل النوبة الى البحث عن مدى تمامية الأمر الثالث.
مناقشة الأمر الثالث:
قوله (قدس) ص ٢٣٣: «و يمكن النقاش في الأمر الثالث بأن وجوب ... إلخ».
لا يخفى أن تماميّة الأمر الثالث، تتوقف على أن وجوب الحذر حتى في حالة عدم حصول العلم لدى السامع من قول المنذر، إنما يكون بسبب جعل الشارع الحجّية التعبدية لقول المنذر، و إلّا، فلو كان هناك سبب آخر يقتضي وجوب الحذر حتى مع عدم حصول العلم، لما تمكّنا من إثبات حجّية قول المنذر كما هو واضح، و في المقام، يوجد في الآية ما يدل على أن المقتضي لوجوب الحذر ليس هو حجّية قول المنذر و إخباره، و إنما هو أمر آخر؛ و ذلك لأنّ وجوب الحذر مترتب على عنوان «الإنذار» لا عنوان «الإخبار»؛ لأن الشارع قال: وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ، و لم يقل: «ليخبروا قومهم»، و الإنذار يستبطن وجود خطر سابق هو الذي يقتضي وجوب الحذر، لا أن الإنذار بنفسه هو الذي أوجب الحذر؛ لأن الإنذار هو ما يكشف عن الخطر، لا أنّه يوجد الخطر، و الخطر الذي يكشف عنه الإنذار، عبارة عن: تنجّز الأحكام الواقعية بالعلم الاجمالي؛ لأن كل مكلّف يعلم علماً اجمالياً بوجود جملة من التكاليف الالزاميّة في الشريعة، من واجبات و محرّمات، و هذا العلم الاجمالي، ينجّز عليه كل ما يحتمل أنه واجب أو حرام [١].
[١] هذا ثالث الوجوه التي اعترض بها الشيخ الأنصاري على الاستدلال بالآية على حجية خبر الواحد. راجع: فرائد الأصول، ج ١، ص ١٥٩.