البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٨٣ - الثمرة الأولى دخول الواجبين المتضادين في باب التزاحم لا التعارض
هو القدرة التكوينية بالمعنى الأعم، و من الواضح عدم وجود أي تنافٍ بين جعل الشارع لوجوب الصلاة على تقدير كون المكلف قادراً بالقدرة التكوينية بالمعنى الأعم، و بين جعل وجوب الإنقاذ على نفس التقدير المذكور، و ما دام لا يوجد أي تنافٍ بين هذين الجعلين، فلا تعارض بين الدليلين، فلا مانع من أن يجعل المولى وجوب الصلاة المقيد بعدم الاشتغال بالإنقاذ، و يجعل أيضاً وجوب الإنقاذ المقيد بعدم الاشتغال بالصلاة إذا كانا متساويين في الأهمية، أو يجعل وجوب الصلاة المقيد بعدم الاشتغال بالإنقاذ، و يجعل وجوب الإنقاذ مطلقاً إذا كان أهم ملاكاً من وجوب الصلاة.
فإن قيل: كيف لا يوجد تعارض بين دليل: «صلّ» و دليل: «أنقذ الغريق»، و الحال أن الدليل الأول يقتضي بإطلاقه إيجاب الصلاة على المكلف سواء اشتغل بإنقاذ الغريق أو لم يشتغل، و الثاني يقتضي بإطلاقه إيجاب الإنقاذ سواء اشتغل بالصلاة أو لا، الأمر الذي يعني: أن الشارع يكون قد طلب من المكلف الجمع بين الضدين، و هو مستحيل؛
لأنه تكليف بغير المقدور، و هذا يعني: أن دليل «صلّ» يعارض دليل: «أنقذ الغريق»؟!
كان الجواب: إنّ هذا يتم لو التزمنا بالإطلاق في كلا الدليلين، و هذا الالتزام لا معنى له بعد حكم العقل بتقييد كل تكليف بالقدرة التكوينية بالمعنى الأعم، الأمر الذي يعني أن كلًا من الدليلين المذكورين لا إطلاق فيه بحد ذاته لحالة الاشتغال بضده الذي لا يقل عنه أهمية؛ لأنه مقيد عقلًا بعدم ذلك كما تقدم، وعليه، فإن كان الواجبان المشار إليهما متساويين في الأهمية، فلا إطلاق في كل منهما لحالة الاشتغال بالآخر؛ لأن كلًا منهما مقيد بعدم الاشتغال بالآخر، و إن كان أحدهما أهم من الآخر، فلا إطلاق بالنسبة إلى المهم؛ لأنه مقيد عقلًا بعدم الاشتغال بالأهم، نعم، وجوب الأهم يكون هو المطلق، و معه، لا يوجد إطلاقان ليقع التعارض بينهما، كما أنه لا تعارض بين المطلق و المقيّد بهذا النحو من التقييد كما هو واضح، و هذا معنى ما يقال من أنّ باب التزاحم مغاير لباب التعارض، و لا يدخل في ضمنه و لا تطبق عليه قواعده؛ فإن قواعد باب التزاحم غير قواعد باب التعارض؛ فإن لكل منهما قواعده الخاصّة به.