البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٦٣ - بيان وجه البطلان على تقدير كون الحسن و القبح أمرين واقعيين
العقلاء قطعاً، بل هو سيّدهم، فلو لم يحكم الشارع بحكمهم، لما كان هذا الحكم مما تطابقت عليه آراء العقلاء، و لكان خلف الفرض، فلا بدّ لنا من القول بأن الشارع حكم على طبق ما حكم به العقلاء.
و بعبارة موجزة: إنّ حكم العقلاء بحسن شيء أو قبحه، يتضمّن حكم الشارع أيضاً، و إلا كان من التناقض.
تحقيق الحال في هذا الاتجاه:
قوله (قدس) ص ٤٢٨: «و التحقيق إنا تارة نتعامل مع الحسن و القبح ... الخ».
و الدليل الذي يعتمده أصحاب هذا الاتجاه واضح البطلان على كلا التقديرين: من كون الحسن و القبح أمرين واقعيين، و من كونهما أمرين اعتباريين مجعولين من قبل العقلاء.
بيان وجه البطلان على تقدير كون الحسن و القبح أمرين واقعيين:
و لبيان البطلان على هذا التقدير، نقول:
إنّه لا دخل للعقلاء في هذه الملازمة أصلًا، بل غاية ما يمكن فرضه في المقام، هو: إدراك العقلاء و استكشافهم لحسن الأشياء و قبحها، و مجرّد كون الشارع معهم و سيدهم، لا يعني أكثر من إدراكه للحسن و القبح، و من الواضح: أن ذلك لا ينفع في المقام؛ إذ المراد من الملازمة التي نريد أن نثبتها، ليس هو الملازمة بين إدراك العقل لحسن شيء و بين إدراك الشارع له أيضاً، بل هو الملازمة بين إدراك العقل لحسن شيء أو قبحه و بين جعل الشارع حكماً شرعياً على طبقه، و هو حكم الشارع بالوجوب أو الحرمة، و هذا غير الإدراك قطعاً، فلا تلازم بين القضيتين: قضية إدراك العقل لحسن شيء و إدراك الشارع له، و قضية
إدراك العقل لحسن شيء و حكم الشارع على طبقه، فإنّ إحداهما غير الأخرى [١].
[١] و كأن عدم التوجّه إلى هذا الأمر، كان هو السبب في عدم التفريق بين حكم العقل و العقلاء و حكم الشارع؛ فإنه ليس المراد بحكم العقل و العقلاء البعث و الزجر، بل هو: إدراك العقل و العقلاء لا تشريعهم و بناءهم، و أما حكم الشارع، فهو بعثه، و زجره، و جعله حكماً تشريعياً يطابق ما أدركه العقل و العقلاء، لا مجرد إدراكه.
لكن قد يعترض هنا و يقال: إنّ مدعي الملازمة بين حكم العقل بالحسن و حكم الشارع بالوجوب لم يدعها بقطع النظر عن الملازمة بين نفس الحسن و الوجوب الشرعي، بمعنى أنه لا يقول بالملازمة بين نفس الادراك بما هو ادراك و بين حكم الشارع؛ إذ لا قيمة للإدراك بقطع النظر عن المدرك، و إذا كان الأمر كذلك، فلا ينفع في الرد الجواب المذكور، بل لا بد من دعوى عدم الملازمة بين كون الفعل حسناً و بين وجوبه الشرعي.