البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٤٧ - الثاني تعجيز المكلف نفسه عن اداء التكليف
تعمّد تأخير صلاة الظهر بحيث لم يبق لهُ من الوقت ما يمكن معهُ الامتثال، كان عاصياً، و سوف تزول قدرته على الامتثال بسبب هذا العصيان عن أداء صلاة الظهر في وقتها لأجل فواته بسبب العصيان، نعم، هو قادر على الإتيان بها قضاءً، و لكن هذا ليس امتثالًا للأمر بصلاة الظهر، و إنّما هو امتثال للأمر بقضائها.
و من الواجبات الموسعة ما يمتد وقتها ما دام المكلف حيّاً، كمن وجب عليه صوم يوم ما بنذرٍ أو شبهه من دون أن يقيّده بوقت معيّن، فإن عصيان هذا التكليف لا يتحقق إلّا بالموت، أو بظهور أمارات الموت التي يعجز معها من أداء التكليف.
فالعصيان إذن من الأسباب الموجبة لزوال القدرة بعد حدوثها.
الثاني: تعجيز المكلف نفسه عن اداء التكليف
و أمّا السبب الثاني الموجب لزوال القدرة على الامتثال، فهو: أن يحول المكلف باختياره دون قدرته على امتثال التكليف، بأن يفعل فعلًا معيناً يكون معه عاجزاً عن أداء التكليف، كمن دخل عليه وقت الصلاة و كان قادراً على أن يصلي بالطهارة المائية و لكنه تعمّد إراقة الماء أو شربه قبل أن يتوضأ، مع عدم وجود غيره [١]؛ فإنّه في هذه الحالة يصبح عاجزاً عن أداء الصلاة بالطهارة المائية بعد أن كان قادراً عليها حين توجه التكليف [٢].
إن قلت: إن المكلّف عاجز عن الوضوء و ليس عاجزاً عن الصلاة؛ إذ بإمكانه أن
[١] أمّا بالنسبة للتعجيز قبل الوقت، كمن أراق الماء قبل وقت الصلاة، فهنا: تارة يفترض علمه بأنّه سوف لا يتمكن من الماء عند حلول الوقت، و أخرى لا يعلم بذلك، فعلى الأول، سوف يدخل المورد- من حيث الإدانة و عدمها- في بحث المقدمات المفوتة للواجب، و على الثاني، فمقتضى القاعدة هو عدم لزوم الإدانة؛ لأنها فرع المسئولية، و هي فرع دخول التكليف في العهدة، و هو فرع فعلية التكليف، و من المعلوم أنّه لا فعلية قبل الوقت
[٢] و هذا الفرض ينبغي تقييده بما إذا كان في آخر الوقت، و بالنحو الذي لا يتمكن المكلّف معه من احضار ماء آخر مع بقاء الوقت، أو تقييده بكونه في أول الوقت مع استمرار عدم وجود الماء إلى آخر الوقت، و أمّا لو فرض إراقة الماء في أول الوقت بقصد التعجيز، و لكنه تمكّن بعد ذلك من الماء في آخر الوقت، فإنّه في مثل هذه الحالة تجب عليه الصلاة بالطهارة المائية، فإن لم يمتثل و الحال هذه، كان عاصياً، و رجع هذا الفرض إلى السبب الأول، و أمّا لو امتثل التكليف، فسوف يكون كمن تعمّد مخالفة التكليف في أول الوقت و لكنه رجع فامتثل في آخر الوقت، و معه، فلا موضوع حينئذ للعصيان.