البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٣٨ - تحقيق الحال في الدليلين المقدمتين
الدليل الأول: كل ما صح في الإرادة التكوينية صح في الإرادة التشريعيّة
لا إشكال في وجود الملازمة بين الإرادة التكوينية لذي المقدمة و الإرادة التكوينية للمقدمة، فمن أراد شيئاً تكويناً أراد مقدماته؛ و ذلك لأنه يأتي بالمقدمات و يتحرك تكويناً نحوها لاجل تحقيق مراده، و الاتيان بالمقدمات أمر اختياري، و الفعل الصادر بالاختيار ما لم تتعلق به الإرادة لم يوجد، و هذا جار أيضاً بلحاظ الإرادة التشريعية، و هذا يعني: الملازمة بين الإرادة التشريعية المتعلقة بذي المقدمة و الإرادة التشريعية المتعلقة بالمقدمة، على نحو يلزم من وجود الأولى وجود الثانية، وعليه، فإيجاب شيء يستلزم ايجاب مقدمته غيرياً [١].
الدليل الثاني: كل ما ليس بواجب لا يجوز تركه و مقدمة الواجب لا يجوز تركها
و يتألف من مقدمتين:
الأولى: كل ما ليس بواجب يجوز تركه. و هذا أمر واضح.
الثانية: و مقدمة الواجب لا يجوز تركها، و إلا، فلو جاز تركها للزم الخلف، و لَما كان الواجب متوقفاً في وجوده عليها، و هو مناف لكونها مقدمة.
و من مجموع هاتين المقدمين، ينتج: إن مقدمة الواجب واجبة التحصيل. و هذا هو معنى الملازمة بين وجوب شيء و وجوب مقدمته.
تحقيق الحال في الدليلين المقدمتين:
من خلال ما ذكرناه سابقاً، يتضح أن النزاع في ثبوت الوجوب الغيري و عدم ثبوته ينبغي أن ينحصر في مرحلة الجعل و الايجاب، و لا علاقة لهذا النزاع في مرحلة الإرادة و الملاك؛ لما قلناه: من أن المعبر عن الوجوب الغيري على تقدير القول به هو مرحلة الجعل و الاعتبار، فإن الوجوب حكم شرعي لا يكشف عنه إلا الجعل الشرعي.
[١] قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج ١، ص ٢٨٤:) لا ينبغي الاشكال في وجوب المقدمة بالمعنى المتقدم؛ لوضوح أنه لا يكاد يتخلف إرادة المقدمة عند إرادة ذيها بعد الالتفات إلى كون الشيء مقدمة و أنه لا يمكن التوصل إلى المطلوب إلا بها».