البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٨٨ - تعليق السيد الشهيد (قدس) على كلام المحقق النائيني (قدس)
و من الواضح: أن المنظور في هذين التطابقين هو شخص الكلام بكل ما يتضمنه من خصوصيات، فإذا انتهى المتكلم من كلامه، و اكتمل شخص الكلام، تحدّد بذلك مدلوله التصوّري، و وفقاً لأصالة التطابق الأولى يتحدّد المدلول التصديقي الأوّل، و المعنى المستعمل فيه اللفظ، و إذا تم تحديد المعنى المستعمل فيه اللفظ، تنجّز ظهور حال المتكلم في أن ما قاله في مرحلة الدلالة التصوّرية و الدلالة التصديقية الأولى هو المراد له جداً.
فإذا جاءت قرينة منفصلة على خلاف ذلك الظهور، كان ذلك تكذيباً لذلك الظهور الحالي للمتكلّم، لا أنّه يكون نافياً لموضوعه، و من هنا كان الاعتماد على القرائن المنفصلة خلاف الأصل العقلائي؛ لأنّ ذلك على خلاف الظهور الحالي، و إلّا، فلو كان الاعتماد على القرائن المنفصلة يوجب نفي الظهور التصديقي الذي يكون موضوعاً لحجّية الظهور، لما كان ذلك على خلاف الطبع العقلائي؛ إذ لا فرق في هذه الحالة بين القرينة المتصلة و القرينة المنفصلة ما دام كل منهما يمنع من انعقاد الظهور التصديقي، و حيث نرى الفرق واضحاً بين الاعتماد على القرائن المتصلة و بين الاعتماد على القرائن المنفصلة، من كون الأولى موافقة للطبع العقلائي و الثانية على خلاف الطبع العقلائي، فهذا دليل على أن القرينة المنفصلة لا تمنع من انعقاد الظهور، و إنّما تسقطه عن الحجّية [١].
[١] إن قلت: إنه سواء قلنا بأن القرينة المنفصلة تحول دون انعقاد الظهور أم قلنا بأنها تسقطه عن الحجية فقط، فإنه على كلا التقديرين لا يصح الاستناد إلى ذلك الكلام، وعليه، فلا ثمرة عملية لهذا البحث أصلًا.
كان الجواب: إن هناك ثمرة عملية مهمة تترتب على هذا الخلاف، و هي تظهر عند احتمال القرينة المنفصلة؛ فإنه إن قلنا بأن القرينة المنفصلة تحول دون انعقاد الظهور، فلا يمكن الأخذ بذلك الكلام للكشف عن مراد المتكلم، لأن الكاشف عن ذلك ليس هو إلا الظهور، و لا ظهور في المقام بحسب الفرض. و إن قلنا بأنها تسقطه عن الحجية فقط كما هو الصحيح، أمكن الأخذ بذلك الكلام للكشف عن مراد المتكلم اعتماداً على ذلك الظهور، و كان ذلك الظهور حجة؛ لأن المسقط لحجيته هو وصول القرينة لا مجرد احتمالها كما هو واضح.
إن قلت: إن الأول يمكنه أن ينقح موضوع الحجية اعتماداً على أصالة عدم القرينة، و بالتالي يمكنه الأخذ بذلك الظهور، فلا يبقى فرق بين الحالتين.
كان الجواب: إنه قد تقدم خلال البحث أن أصالة عدم القرينة ليست أصلًا تعبدياً يجري في كل مورد شككنا فيه بالقرينة، بل إن موضوعه الشك في القرينة المتصلة الناشئ من احتمال الغفلة، مع ان النافي للقرينة المنفصلة عند احتمالها هو عبارة عن كاشفية نفس الظهور، كما تقدم ذلك في البحث عن تشخيص موضوع الحجية.
ثم أنه لو تأملت قليلًا، لوجدت إن هذا البحث متداخل مع البحث عن تشخيص موضوع الحجية، و السيد الشهيد قد ذكر فيه بحسب ما جاء عنه في بحوث في علم الأصول: ج ٤، ص ٢٦٧ ما نصه: «و الاختلاف بين هذه الفرضيات، ربما يتصور أنّه مجرد خلاف نظري لا اثر عملي له، إلا أنّه سوف يظهر من خلال البحث وجود مغزى عملي له».
و من جميع ذلك، يظهر عدم الدقة في ما ذكره الشيخ الايرواني حفظه الله في شرح الحلقة الثالثة في الجزء الثاني، ص ١٨٥ في الحاشية حيث قال: «و الظاهر أن هذا البحث لا ثمرة عملية له».