البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٩٥ - القول الأوّل عدم حجّية العام في الباقي بعد التخصيص
العشرة هم فسّاق، ففي هذه الحالة، لا يسوغ لك أن تقول: إن ظاهر حاله أنه استعمل «كل» في السبعة فهو يريدها جداً؛ و ذلك لأنّ ما كنا نعتمد عليه من مسوّغ قبل مجيء المخصص، كان عبارة عن ظهور حاله في استعمال «كل» استعمالًا حقيقياً، و الحال أن هذا المسوّغ قد علم بطلانه، بفضل مجيء المخصص المنفصل حيث ثبت بمقتضاه أن المتكلم لا يريد اكرام كل من في الدار، و هذا يعني: أنه قد استعمل «كل» في غير الاستيعاب و الشمول، فلا يسوغ لك أن تقول: إنه استعمل «كل» في السبعة فهو يريدها جداً؛ لأنّ هذا لا دليل عليه، بل ربما يكون قد استعملها في الستة، أو في الخمسة، و كلها من الاستعمال المجازي، و من الواضح عدم الفرق بين مجاز و مجاز.
إن قلت: هذا و إن كان وجيهاً، لكن، لما ذا لا نأخذ بأقرب المجازات- و هو: السبعة بحسب الفرض- لأنه قد يقال: إذا دار الأمر بين مجاز و مجاز آخر يحمل اللفظ على أقربها.
كان الجواب: إن هذا قد يكون وجيهاً فيما لو كانت هناك أقربية موجبة لحمل اللفظ عليها، و لكنها مفقودة في المقام؛ لأنّ المراد بالأقربية الموجبة لترجيح إرادة أحد المعاني المجازية على غيرها عند الدوران، هي: الأقربية من حيث العلقة بين اللفظ و ذلك المعنى المجازي، و من الواضح أن استعمال «كل» في استيعاب السبعة مجازاً ليس بأقرب من استعمالها في استيعاب الستة، أو الخمسة، أو الأربعة، بل علاقة اللفظ بكل تلك المعاني على حد سواء، و لا يوجد من بينها ما هو أقرب إلى اللفظ من غيره.
و خلاصة القول: إن شمول كلمة «كل» لكل فرد من الأفراد العشرة، مبني على نكتة هي: كون المتكلم قد استعمل «كل» في معناها الحقيقي، و هو: الاستيعاب و الشمول، و بعد مجيء المخصص المنفصل، علم ببطلان تلك النكتة، و معه، لا يمكن القول بشمول العام لتمام الباقي؛ و ذلك لعدم وجود الدليل عليه [١]، و هذا معنى: عدم حجية العام في الباقي بعد ورود المخصص المنفصل.
[١] إن قلت: إن الدليل هو نفس دليل العام و قد خرج منه مقدار ما دل عليه المخصص، و العام حجة ما لم تقم قرينة على خلافه، و ليس هو إلا مقدار ما أخرجه المخصص.
كان الجواب: إنه بناءً على دعوى لزوم المجازية بسبب التخصيص، سوف تسقط حجية العام في الباقي، بسبب إجمال الدليل بعد فرض تعدد مراتب المجاز، و من المعلوم أن الإجمال في الدلالة يسقط الدليل عن الحجية؛ إذ ليس المقصود بالدليل مجرد وجود الخطاب الشرعي ما لم تكن دلالته حجة.