البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٤ - الجواب الثالث عدم شمول التعليل لخبر العادل
و لا يشمل خبر العادل، لأنه خارج عنه موضوعاً [١]، فلا منافاة بين المفهوم و التعليل حتى يلتزم تارة بالتخصيص و أخرى بالحكومة، فلا مورد للإشكال من الأساس.
إن قلت: كيف لا يكون في التعليل عموم لخبر العادل مع أنّ موضوعه الجهالة و عدم العلم، و من الواضح أن خبر العادل لا يفيدنا علماً؟!
كان الجواب: إنّ الجهالة الواردة في التعليل في قوله تعالى: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ، إن كانت بمعنى: الجهل و عدم العلم، كان التعليل شاملًا لخبر العادل قطعاً؛ لأنه لا يفيد العلم كما هو واضح، فيقع التعارض بين عموم التعليل و المفهوم، و إن كانت بمعنى: السفاهة و التصرّف غير المتزن و غير العقلائي، و الركون إلى ما لا ينبغي الركون إليه، و الاعتماد على ما لا ينبغي الاعتماد عليه عند العقلاء [٢]، فلا يكون في التعليل شمول لخبر العادل؛ لأن العمل بخبر العادل ليس سفاهة و ليس تصرّفاً غير متزن، بل هو عمل عقلائي؛ لأن العقلاء يعتمدون في مقام العمل على وفق خبر العادل في كثير من أمورهم و شئونهم [٣].
و حيث إن الجهالة المذكورة في التعليل بمعنى: السفاهة، و ليس بمعنى: الجهل و عدم العلم، فلا يكون التعليل شاملًا للعمل بخبر العادل؛ لأن التصرّف على وفقه ليس سفاهةً، و لا أنّه تصرّف غير متزن [٤].
[١] كفاية الأصول، ص ٢٩٧. و هذا ما أجاب به المحقق النائيني أيضاً. راجع فوائد الأصول، ج ٣، ص ١٧١
[٢] يطلق على الجهالة بمعنى السفاهة الجهالة العملية، و يطلق على الجهالة بمعنى عدم العلم الجهالة النظرية
[٣] الوجه في أنّ اعتماد العقلاء على خبر العادل في مقام العمل كاشف عن أنّ العمل على وفقه ليس سفهياً، هو: أنّ الحاكم بكون العمل المعيّن سفهياً أو غير سفهي هم العقلاء أنفسهم، و لا يمكن افتراض حكمهم بكون العمل المعيّن سفهياً في نفس الوقت الذي يفترض أنهم يعملون بذلك العمل، و من أجل ذلك كان عملهم بخبر العادل كاشفاً عن عدم كونه سفهياً.
[٤] و اعترض عليه السيد الشهيد- بحسب ما جاء عنه في بحوث في علم الأصول، ج ٤، ص ٣٦٠- بقوله: «و الصحيح في مناقشة هذا الجواب: إنه لا معين لحمل الجهالة على السفاهة؛ إذ لا أقل من احتمال إرادة الجهالة النظرية، خصوصاً مع أنه المناسب مع ذيل التعليل؛ حيث ذكرت الندامة التي لا تكون إلا بلحاظ عدم إصابة الواقع، لا العمل السفهي»، و هذا ما أجاب به المحقق العراقي ابتداءً رداً على دعوى الحكومة، لكنه عدل عنه، و عاد ليفسر الجهالة الواردة في الآية بالعمل السفهي، فقد قال في نهاية الأفكار، ج ٢، ص ١١٤: «كيف و إن السفاهة بالمعنى المزبور إنّما توجب الملامة لا الندامة؟! فلا يناسب التعبير حينئذ بالندامة، و ما يوجب الندامة إنّما هو العمل بكل أمارة مخالفة للواقع، خصوصاً في الأمور المهمة، كما في مورد الآية الشريفة، و على ذلك، تكون الجهالة في الآية، عبارة عن: مطلق خلاف العلم، فيشارك خبر العادل خبر الفاسق في العلة، و بذلك ظهر الجواب عن الثاني أيضاً؛ حيث نقول بجريان العلة حتى في صورة العمل بما هو حجة عند العقلاء، من خبر الثقة، و العدل؛ فإنّ العمل بقول الثقة و العدل عند مخالفته الواقع، و إن لم يكن موجباً للملامة و المذمة، و لكنه موجب للندامة، فتشمله العلة المذكورة في الآية، فتقتضي الردع عن العمل بمثله، و معه، لا مجال لحكومة المفهوم على عموم العلة، بل يكون عموم العلة موجباً لمنع المفهوم في القضية.
هذا، و لكن الانصاف: إنه لا وقع لهذا الاشكال؛ فإنه بعد أن كان الندم في الأحكام الشرعية، بل في مطلق الأحكام الجارية بين الموالي و العبيد ملازماً للملامة و العقوبة- لما هو المعلوم من أن هم العقل في أمثال ذلك إنما هو مجرد الفرار عن تبعة ما يترتب على مخالفة التكاليف الواقعية من الملامة و العقوبة، لا تحصيل المصالح و الأغراض الواقعية- كان ذلك موجباً لاختصاص الندم في الآية بالندم الملازم مع اللوم و العقوبة، فمع فرض اقتضاء المفهوم لحجية خبر العدل، تترتب عليه المعذورية و عدم الملامة و العقوبة، وعليه، يتجه الجواب المزبور، من حكومة المفهوم على عموم العلة».