البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٧٢ - الطريق الثاني الالتزام بما يسمى ب- (نظرية متمم الجعل)
فإذا كان غرض المولى سبحانه و تعالى قد تعلق بتقييد الحكم بالعالم به، أتى بجعل ثانٍ مفاده: إثبات نفي الحكم الشرعي للعالم بالجعل الأول، كأن يقول في الجعل الأول: «أقم الصلاة»، و يقول في الجعل الثاني: «إذا علمت بجعل الشارع لوجوب الصلاة وجبت عليك الصلاة»، فمن حصل له العلم بقول الشارع: «أقم الصلاة»، سوف تجب عليه الصلاة بالوجوب المجعول بالجعل الثاني، و بهذا تتحقق نتيجة التقييد.
و أما إذا كان غرضه قد تعلق بعموم المكلف سواء كان عالماً أم جاهلًا، أتى بجعل ثان مفاده إثبات نفس الحكم الشرعي على المكلف مطلقاً، من حيث علمه بالجعل الأول أو جهله به، كأن يقول في الجعل الأول: «أقم الصلاة»، و يقول في الجعل الثاني: «تجب الصلاة على المكلف مطلقاً عالماً كان أم جاهلًا»، و بهذا تتحقق نتيجة الإطلاق.
و لقد عبّرنا بنتيجة التقييد و نتيجة الإطلاق و لم نعبّر بنفس التقييد و الإطلاق، لأن كلًا من التقييد و الإطلاق لم يتحقق بالجعل الأول؛ لأنه مهمل بحسب الفرض، و إنما عوّض عن تقييده و إطلاقه بالجعل الثاني على الوجه الذي ذكرناه و بيّناه، و لا يلزم من التعويض بالجعل الثاني محذور التقييد و هو الدور، و لا محذور الإطلاق باعتباره مستحيلًا لاستحالة التقييد كما مرّ، و الوجه في عدم لزوم المحذور الأول، هو: أن العلم بالحكم في الجعل الأول قد أخذ قيداً في الحكم في الجعل الثاني و لم يؤخذ قيداً في نفسه، فلا دور.
كما أن الوجه في عدم لزومه للمحذور الثاني- أي: استحالة الإطلاق- لأن الإطلاق
لم يكن في نفس الجعل الأول حتى يقال باستحالته لاستحالة التقييد، و إنما أفيد بواسطة الجعل الثاني كما مرّ بيانه [١].
[١] قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج ١، ص ١٦٠: «و الفرق بين استكشاف نتيجة الاطلاق في المقام و استكشاف الاطلاق في سائر المقامات، هو: أن من عدم ذكر القيد في سائر المقامات يستكشف أن مراده من الأمر هو الاطلاق، و هذا بخلاف المقام؛ فإن من عدم ذكر متمم الجعل لا يستكشف أن مراده من الأمر هو الاطلاق، لما عرفت: من أنه لا يمكن أن يكون مراده من الأمر هو الاطلاق، بل من عدم ذكر متمم الجعل يستكشف أنه ليس له مراد آخر سوى ما تعلق به الأمر».