البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٥٣ - النقطة الثالثة بيان الصحيح من الاحتمالات الثلاثة المتقدمة
الظهور، و هو: السيرة العقلائية، حيث نجد أن العقلاء عند ما كانوا يعملون بالظهور، إنّما كان عملهم لأجل تعيين مراد المتكلّم؛ اعتماداً على كاشفية الظهور عن المراد، و العقلاء لا يعملون بالظهور إلّا باعتبار الحيثية الكاشفة عن المقصود و المراد، و ليست هي إلّا الظهور التصديقي، لا الظهور التصوّري؛ إذ ليس مبنى العقلاء في العمل بالظهور على التعبّد المحض؛ فإنّهم لا يعملون بالتعبّد، بل بما يعتبرونه كاشفاً، فيكون معنى الحجّية التعبّدية للظهور عند الشارع، هو: اعتبار الظهور كاشفاً عن مراد الشارع، و جواز التعويل عليه لمعرفة أحكامه، و هذا يعني: أن موضوع الحجّية، لا بدّ أن يكون هو الظهور الكاشف عن المراد، لا مطلق الظهور، و منه يتبيّن سقوط الاحتمال الأوّل من الاحتمالات المتقدّمة في تشخيص موضوع الحجّية؛ فإنّ ما يكشف عن المراد ليس هو الظهور التصوّري، و إنّما هو الظهور التصديقي، فجعل الظهور التصوّري موضوعاً للحجّية، يعني: إناطة الحجّية بغير حيثية الكشف؛ فإنّ الظهور التصوّري ما هو إلّا انسباق المعنى من اللفظ عند سماعه، و لا يوجد فيه ما يكشف عن المراد و المقصود، و إناطة الحجّية بذلك يكون بلا موجب عقلائي، فلا بدّ أن يكون موضوع الحجّية هو الظهور التصديقي.
وعليه، سوف يدور الأمر بين الاحتمال الثاني و الثالث، و بما أن الاحتمال الثاني- كما اتضح قبل قليل- يفترض الحاجة أوّلًا إلى أصالة عدم القرينة عند الشك في القرينة المنفصلة و احتمالها، ثم تطبيق أصالة الظهور، فهو ساقط أيضاً؛ و ذلك لأنّ نفي القرينة المنفصلة عند احتمالها بأصالة عدم القرينة، إمّا أن يكون من باب التعبّد المحض، و إمّا أن يكون لأجل وجود ما يكشف عن عدمها عند احتمالها، و الأوّل باطل قطعاً؛ لأنّ العقلاء لا
يعملون بالتعبّد و إنّما يعملون بالطرق الكاشفة و الظنية المعتمدة على نكات عقلائية، و هذا يعني: أن الأصول العقلائية جميعاً تعبّر عن حيثيات كشف معتبرة عند العقلاء، و ليست تعبّدات محضة، فيتعين الثاني، و هو: أنّ نفي القرينة المنفصلة عند احتمالها ليس إلّا لأجل وجود ما يكشف عن عدمها، و ليس الكاشف في المقام إلا نفس الظهور التصديقي عن إرادة مفاده، و أنّ ما قاله المتكلّم يريده، و هي كاشفية مساوقة لنفي القرينة المنفصلة.
فلو افترضنا أن كاشفية الظهور التصديقي عن المراد كانت بنسبة ٨٠%، و العقلاء يعملون بالظهور اعتماداً على هذه النسبة من الكاشفية، و لا يهتمون باحتمال مخالفة ذلك الظهور