البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٧٥ - بيان امكان الأمرين بالضدين على وجه الترتب من خلال ثلاث نقاط
عالم المبادئ؛ إذ لا محذور في افتراض مصلحة ملزمة و شوق أكيد في كل من الإنقاذ و الصلاة في نفس الوقت، و كذلك لا يمكن أن يفترض رجوعه إلى عالم الجعل و الاعتبار؛ لأن الاعتبار المحض و المجرّد عن أي شيء سهل المئونة، فلن يبقى إلّا أن يفترض رجوعه إلى عالم الامتثال؛ باعتبار أنّ كلًا من التكليفين بقدر ما يحرّك نحو امتثال نفسه، فإنه يبعّد عن امتثال الآخر. فالأمر بالإنقاذ، حيث إنّه يدعو المكلّف و يحرّكه نحو امتثال نفس الإنقاذ، فهو بالمقدار نفسه سوف يكون مبعداً عن امتثال الأمر بالصلاة، نظير من يقف على نقطة في وسط الخط المستقيم المحصور بين نقطتين هما: (أ) و (ب)، فهو بقدر ما يتحرك نحو النقطة (أ) و يقترب منها، تراه قد ابتعد بنفس المقدار عن النقطة (ب)، و من هنا جاءت استحالة طلب الضدين و إيجاب الجمع بينهما.
النقطة الثانية: إن الترتب يعني على الأقل تقييد أحد الضدين بعدم امتثال التكليف بالضد الآخر أو بالبناء على عصيانه، و في هذه الحالة، يكون وجوبه مشروطاً بعدم الاشتغال بالضد الآخر، و إذا كان الأمر كذلك، استحال أن يكون هذا الوجوب المشروط منافياً بفاعليته و محركيته للتكليف بالضد الآخر؛ لأنّه بحسب الفرض مقيّد بعدم امتثاله ذلك الضد، بمعنى: أنّه لا فاعلية و لا محركية له إلّا إذا تحقق شرطه و هو عدم امتثال الضد الآخر؛ لأن عدم امتثال التكليف بالضد الآخر يمثل مقدّمة وجوب للتكليف بضدِّه، و هذا يعني: أن هذا الوجوب مقيد بذلك القيد، و هو العدم، و مع عدم تحقق القيد فلا محركية و لا فاعلية، و إذا كان الأمر كذلك، فلا يعقل أن يكون هذا الوجوب محركاً نحو تلك المقدّمة؛ لأنه لا يحصل إلّا بعد حصولها، و هذا يعني: عدم المنافاة في عالم المحركيّة و الفاعلية بين هذا الوجوب المشروط و بين التكليف بالضد الآخر، الأمر الذي يعني: أنّ عدم امتثال الضد الآخر لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن يكون مستنداً إلى الأمر بضد التكليف الآخر، و بهذا يتبرهن عدم المنافاة بين هذين التكليفين في عالم
المحركية و الامتثال.
النقطة الثالثة: كان الكلام في النقطة السابقة حول أن وجوب أحد الضدين إذا كان مقيداً بعدم امتثال الضد الآخر، و قد تبيّن أن هذا النحو من التقييد لا يصلح لأن يكون مانعاً عن امتثال الضد الآخر، و يقع الكلام في هذه النقطة عن التكليف بالضد الآخر، إذ