البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥١٢ - التقريب الأول العينية في مقام التأثير لا في عالم الحكم و الإرادة
ما بينهم في كيفية توجيه ذلك، فمنهم: من رأى أن ذلك ثابت بملاك العينية، أي: أن إيجاب شيء عين تحريم ضدّه العام، و منهم: من رأى أنه بملاك الجزئية و التضمن، و منهم: من رأى أنه بملاك الملازمة بين جعل وجوب الشيء و بين جعل حرمة ضدّه العام.
و للوقوف على حقيقة الحال في هذه التوجيهات، و بالتالي الوقوف على مقتضى التحقيق في هذا القول، لا بد من استعراض تلك التوجيهات، و تقييمها؛ لمعرفة مدى تماميتها أو عدم تماميتها.
التوجيه الأول: دعوى أن الأمر بشيء عين حرمة ضدّه العام
قوله (قدس) ص ٤١٢: «فقال البعض إنه بملاك العينية ... الخ».
لقد وجّه البعض اقتضاء وجوب الشيء لحرمة ضدّه العام، على أساس أنّ الأمر بشيء معين هو عين حرمة نقيض ذلك الشيء، فالأمر بالصلاة مثلًا هو عين تحريم ترك الصلاة، و لأجل عدم وضوح العينية بين الوجوب و التحريم، و عدم إمكان تصور أن يكون أحدهما عين الآخر، حاول البعض بيان هذا التوجيه بأحد تقريبين تاليين:
التقريب الأول: العينية في مقام التأثير لا في عالم الحكم و الإرادة
قوله (قدس) ص ٤١٢: «و قد يوجّه ذلك تارة بأنّ ... الخ».
لا إشكال في أن وجوب فعل معيّن غير حرمة تركه كحكم من الأحكام؛ لأنهما حكمان مختلفان؛ فإنّ الوجوب كحكم شرعي غير الحرمة، كما أنّ متعلق أحدهما- و هو الوجوب- الفعل، و أنّ متعلق الآخر- و هو الحرمة- الترك، و لكن، لو نظرنا إلى هذين الحكمين في مقام التأثير و النتيجة التي يقتضيها كل منهما، لوجدنا أنّ وجوب الفعل بلحاظ هذا المقام عين حرمة تركه؛ فإن حرمة ترك فعل معيّن سوف تبعّد المكلف عن هذا الترك و تقرّبه بنفس المسافة نحو الفعل، و هو نفسه الذي يقتضيه إيجاب الفعل؛ فإنّه سوف يبعّد المكلف عن الترك بنفس المقدار الذي يقرّبه نحو الفعل، فكما أنّ تحريم الضد العام يبعّد عن الفعل، فكذلك إيجاب الفعل، فإنه يبعّد عن ذلك الضد العام بنفس محركيته و مقربيته نحو الفعل، و بهذا اللحاظ، صحّ أن يُقال بأن الأمر بشيء هو عين حرمة تركه أو ضدّه العام.