البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٦٢ - التبادر على مستوى الظهور الذاتي و الظهور الموضوعي
فهذا الانسباق: إمّا أن يكون لأجل الوضع، بمعنى: كون اللفظ قد وضع لذلك المعنى، و لأجله انسبق إلى الذهن ذلك المعنى دون غيره، و إمّا أن يكون بسبب الظروف و العوامل الخاصّة، و الأنس الذهني الضيّق، و الذي يوجب له الأنس الذهني بمعنى مخصوص نتيجة لذلك المحيط الضيّق الذي يعيشه ذلك الإنسان، و حينئذٍ، فإذا فتش ذلك الإنسان، و فحص، و دقّق، و لم يجد شيئاً محدّداً شخصياً يمكن أن يستند إليه ذلك الانسباق و التبادر، أو يفسّر به، كان ذلك أمارة، و دليلًا على أنّ هذا الانسباق و التبادر من الظهور الموضوعي و ليس من الظهور الذاتي [١].
التبادر على مستوى الظهور الذاتي و الظهور الموضوعي:
قوله (قدس) ص ٢٧٧: «و أما الظهور الذاتي و هو ما قد يعبّر ... إلخ».
ثم إنّه ينبغي التمييز هنا بين التبادر و الانسباق على مستوى الظهور الذاتي- أي: الشخصي-، و الذي جعل أمارة على تعيين الظهور الموضوعي، و بين التبادر على مستوى الظهور الموضوعي، و الذي يجعل أمارة، و علامة على الحقيقة، و بالتالي يكون كاشفاً عن الوضع: فإن التبادر على المستوى الأوّل يُراد به إثبات التطابق بين الظهور الذاتي و الظهور الموضوعي، و كونه كاشفاً عنه، و بالتالي: كونه كاشفاً عن الوضع، عن طريق نفي استناد ذلك الانسباق و التبادر إلى أنس شخصي معيّن بمعنى مخصوص، و أمّا التبادر على المستوى الثاني، فيراد به إثبات كون اللفظ موضوعاً لذلك المعنى، و كاشف عن المعنى الحقيقي للفظ عند عدم القرينة [٢]، كشفاً إنياً تكوينياً، أي: كشف المعلول عن علّته؛ باعتبار أن التبادر معلول
[١] لا يخفى إن هذا الطريق لإحراز الظهور الموضوعي، مبني على دعوى قيام السيرة العقلائية على جعل الظهور الذاتي أمارة على الظهور الموضوعي، فيكون إحراز الظهور الموضوعي إحرازاً تعبدياً، و بالسيرة العقلائية الممضاة من الشارع، و هناك طريق آخر، و هو: الاحراز الوجداني المبني على أساس حساب الاحتمالات؛ عن طريق ملاحظة عدد من الأشخاص المختلفين في ظروفهم الشخصية، و إلقاء اللفظ على كل واحد منهم، و ملاحظة ما ينسبق إلى ذهنه منه.
[٢] الوجه في تعبيره بعدم القرينة، هو: أنّ تبادر و انسباق معنى معيّن من اللفظ إلى الذهن له علتان، و منشآن لا غير، و هما عبارة عن: الوضع، و القرينة؛ لأنّ انسباق المعنى إلى الذهن إما أن يكون بسبب كون اللفظ موضوعاً لذلك المعنى، و إما أن يكون بسبب وجود قرينة معينة أدّت إلى تبادر ذلك المعنى من اللفظ، فإذا انتفى المنشأ الثاني للتبادر، ثبت الأوّل، و كان التبادر كاشفاً عن الوضع.