البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٨١ - الترتب تارة يكون من جانب واحد و أخرى من جانبين
منه، و في المقام، لو اشتغل بالأقل أهمية، فلا يكون مصداقاً لما حكم به العقل من التقييد المذكور، و هذا يعني أن وجوب الأهم مطلق و ليس مقيداً، بينما وجوب المهم هو المقيد، و هذا النحو من الترتب يسمى بالترتب من جانب واحد، و هو كون وجوب المهم مترتباً على عدم الاشتغال بالأهم، بينما وجوب الأهم ليس مترتباً على عدم الاشتغال بالمهم، بل هو ثابت مطلقاً، سواء اشتغل بالمهم أم لم يشتغل به.
فلو فرض أن إنقاذ الغريق أو إزالة النجاسة عن المسجد كان أهم ملاكاً من وجوب الصلاة، فهذا يعني: أن وجوب الإنقاذ أو الإزالة مطلق، و أن وجوب الصلاة هو المقيد بعدم الاشتغال بالإنقاذ أو الإزالة، و في هذه الحالة، ينبغي على المكلف الاشتغال بالأهم- و هو الإنقاذ أو الإزالة بحسب الفرض- لكي لا يبتلي بمعصية أحد الأمرين؛ لأنه باشتغاله بالإنقاذ أو الإزالة سوف يسقط وجوب الصلاة؛ لانتفاء قيده و هو عدم الاشتغال بالإنقاذ أو الإزالة؛ لفرض أنه اشتغل بأحدهما، و هذا بخلاف ما لو اشتغل بالصلاة و ترك الإنقاذ أو الإزالة؛ فإنه يعتبر عاصياً بالنسبة إليهما [١].
[١] إن قلت: عرفنا أنّ المتزاحمين إذا كان أحدهما أهم ملاكاً من الآخر يكون التقديم له، بمعنى: تقييد المهم بعدم الاشتغال بالأهم، و لكن، كيف لنا معرفة الأهم منهما و الحال أنّ الملحوظ في ذلك هو نظر المولى؟
كان الجواب: إنّ افتراض كون هذا الملاك أهم من الملاك الآخر و إن كان الملحوظ فيه نظر المولى، و لكن هذا لا يعني عدم إمكان التعرّف عليه؛ فإنّه بمراجعة التشريعات الإلهية و الموارد التي وقعت محلًا لاهتمام الشريعة يمكن الوصول إلى ذلك؛ فإنّه لا يكاد يشك أحد في أنّ وجوب حفظ النفس المؤمنة أهم عند الشارع من فوات صلاة معيّنة فيما لو حصل التزاحم عند المكلّف بين الصلاة و انقاذ مؤمن يشرف على الهلاك بحيث تفوت بانقاذه الصلاة.
إن قلت: إنّ الرجوع إلى الأهمية في مقام ترجيح أحد المتزاحمين على الآخر، إنّما يتم في الموارد التي يمكن فيها تشخيص الأهم منهما، إلّا أنّ هذا لا يتيسر بلحاظ جميع الواجبات التي يحصل بينها التزاحم؛ فإنّ في بعضها قد لا يمكن معرفة ذلك، فما هو الملاك في الترجيح حينئذ؟
كان الجواب: إنّ الأصوليين قد ذكروا جملة من المرجحات في باب التزاحم عند حصوله لا تعود إلى المرجح الأول، و تلك المرجحات هي:
١- ترجيح ما لا بدل له على ما له البدل بنحو التخيير العقلي، كما في التزاحم بين الواجب الموسّع كالصلاة و الواجب المضيّق كإزالة النجاسة عن المسجد.
٢- ترجيح ما لا يكون مشروطاً بالقدرة الشرعية المأخوذة في لسان الدليل كما في الحج على ما يكون مشروطاً بالقدرة العقلية.
٣- ترجيح ما لا بدل له شرعاً على ما له البدل شرعاً، كما في مورد تزاحم الطهارة المائية و وجوب حفظ النفس من الهلاك كما لو فرض توقفه على شرب الماء الذي عنده مع عدم وجود غيره.
و ذكر المحقق النائيني أنّ هذه المرجحات لا ترجع إلى الترجيح بملاك الأهمية، فقد قال في فوائد الأصول، ج ١، ص ٣٢٨:) و في هذه المرجحات الثلاثة لا يلاحظ مسألة الأهمية و المهمية».