البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٥١ - الأولى الاضطرار بسوء الاختيار بلحاظ مرحلة الإدانة
قدرته على امتثاله، على نحو يكون سوء اختيار المكلف هو السبب في ذلك. كما لو فرض دخول وقت الصلاة على المكلف، و عمد باختياره إلى إراقة الماء الذي أمامه، مع عدم وجود غيره، الأمر الذي يعني عدم قدرته على الصلاة بالطهارة المائية [١]، فوقع البحث عند الأصوليين في هذه الحالة، من حيث استحقاقه للعقاب و عدمه تارة، و من حيث توجه الخطاب و عدمه تارة أخرى، وعليه، فإن البحث في هذه المسألة، تارة يكون بلحاظ مرحلة الإدانة و العقاب، و أخرى يكون بلحاظ مرحلة الخطاب الشرعي، فالبحث يقع في جهتين:
الأولى: الاضطرار بسوء الاختيار بلحاظ مرحلة الإدانة
حين توجه التكليف إلى المكلّف، فإنه تارة يكون مضطراً إلى عدم الامتثال من دون أن يكون له في ذلك أي اختيار، كمن اضطرّ إلى ترك صلاة الظهر بالطهارة المائية لأجل عدم القدرة على الماء، و أخرى يكون مضطراً إلى عدم الامتثال، بالنحو الذي يكون اضطراره هذا ناشئاً من سوء اختياره، كمن اختار أن يريق الماء الذي أمامه بعد توجّه التكليف بالصلاة إليه، فإنه أيضاً يكون مضطراً إلى تركها، و لكن هذا بسوء اختياره، و قد عرفنا من خلال ما تقدم، أنه في هذه الحالة يكون المكلّف مستحقاً للعقاب و الإدانة؛ لأنه كان متمكناً و قادراً على الامتثال و لم يمتثل بحسب الفرض، و من هنا، اشتهر على ألسنة المحققين من الأصوليين: «أن الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً» [٢].
و مرادهم من ذلك: إنه كما يستحق المكلف العقاب على عدم امتثاله للتكليف فيما لو تركه اختياراً، فكذلك يستحق العقاب على مخالفته و إن كان مضطراً إلى ذلك، فيما لو كان ذلك الاضطرار ناشئاً بسبب سوء الاختيار؛ و ذلك لأنّ مثل هذا النحو من الاضطرار لا ينفي
القدرة بالقدر المعتبر شرطاً في الإدانة و العقاب، و هو القدرة الحدوثية كما بيّنا ذلك سابقاً.
[١] و نظير هذه الحالة ما لو عمد باختياره إلى شرب دواء لم يكن محتاجاً إليه، يعلم بأنه سوف يضطرّه إلى النوم مباشرة و بلا فصل
[٢] و هذا المقدار و إن كان هو المشهور بين المحققين من الأصوليين، و لكن هناك من ذهب إلى خلاف ذلك، و قال بأن الاضطرار بسوء الاختيار ينافي الاختيار عقاباً، و هذا ما أشار إليه السيد الخوئى في محاضرات في أصول الفقه، ج ٢، ص ٣٦٤ حيث قال: «و في مقابل هذا القول، ادعى جماعة منافاته للاختيار عقاباً و خطاباً، أما الخطاب، فهو واضح؛ لأنه لغو صرف، و أما العقاب؛ فلأنه عقاب على غير مقدور، و هو قبيح عقلًا».