البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٦١ - بطلان هذا المذهب بشهادة الوجدان و التجربة
جاعل، و ما دور العقلاء في ذلك إلا إدراك ذلك الأمر الواقعي و الكشف عنه ليس إلّا، و ليس حسن الشيء أو قبحه متوقّف على حكم العقلاء، و تشريعهم له، و تطابق آرائهم عليه، بحيث لو لم يحكموا بذلك لما كان الشيء الفلاني حسناً أو قبيحاً، بل ربّما يكون تطابق آراء العقلاء على حسن الصدق و قبح الكذب مثلًا نتيجةً لكون الصدق بذاته حسن، و الظلم بذاته و في حدٍّ نفسه قبيح، لا العكس [١].
و أما بالنسبة إلى التجربة، فلما نراه من خلاف ذلك خارجاً؛ إذ الحسن و القبح ليسا تابعين للمصالح و المفاسد، و لو كان الأمر كذلك، و كان المناط في الحسن و القبح هو المصلحة و المفسدة، لحكموا بحسن الفعل الذي يكون واجداً لمصلحة أكثر من المفسدة الموجودة فيه، و لكن، و على الرغم من ذلك، فإننا نراهم يحكمون بقبحه بلا تردد، و هذا دليل على أن القبيح قبيح في نفسه، و أن الحسن حسن في نفسه و ذاته.
فلو فرض أن إنسان ما قام بقتل إنسان آخر بدون وجه حق، فهنا، لا إشكال في أنّ العقل و العقلاء سوف يحكمون بقبح ذلك الفعل، و لكن، لو افترضنا أن قتل ذلك الإنسان يكون علّة لحفظ حياة إنسانين و إنقاذهما من الموت، كما لو فرض توقف حياتهما على استخراج دواء مخصوص من قلبه بالنحو الذي يؤدي استخراج مثل ذلك الدواء إلى قتله، فهنا، من جهة نرى أن قتل الإنسان من غير وجه حق فيه مفسدة، و هو قبيح عقلًا، و لكن، من جهة أخرى، نرى أنّ فيه مصلحة تفوق تلك المفسدة التي فيه، و هي عبارة عن: الحفاظ على حياة إنسانين و إنقاذهما من الموت، فبالقياس و النظر إلى زاوية المصالح و المفاسد فقط، نرى أن الفعل المذكور فيه مصلحة أكبر من المفسدة، فعلى
هذا، لا بدّ أن يحكم العقلاء بحسنه، و لكننا بالرغم من ذلك لا نرى عاقلًا يقول أن هذا الفعل حسن، بل يحكم بقبحه مع ما فيه من المصلحة المفترضة [٢].
[١] قد يقال: إنّ الوجدان إنما يحكم بحسن العدل و قبح الظلم في طول حكم العقلاء و تطابق آرائهم على ذلك، لا أنه يحكم بذلك بقطع النظر عن حكم العقلاء، و هذا يمكن أن يدعى عليه الوجدان أيضاً
[٢] قد يقال: إنّ العقلاء إنّما يحكمون بقبح ذلك الفعل على الرغم من افتراض توقف انقاذ و حفظ حياة إنسانين على ذلك؛ لأجل أنهم لا يرون أنّ حفظ حياة إنسانين بقتل الواحد يوجد مصلحة غالبة على مفسدة القتل، و معه، لا تصلح التجربة المذكورة لإبطال ما ذهبوا إليه.