البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٩٨ - التزاحم بين واجبين بلحاظ المانع الشرعي يمكن تصويره على نحوين
النحو الثاني: أن يقع التزاحم بين واجبين شرعيين على نحو يكون أحدهما أو كلًا منهما مشروطاً شرعاً بعدم وجود الحكم الآخر، كما لو وقع التزاحم بين وجوب الحج و وجوب الوفاء بالشرط على نحو لو التزم بوجوب الوفاء بالشرط لما تمكن من امتثال وجوب الحج؛ فإن وجوب الوفاء بالشرط مقيد شرعاً بعدم وجود حكم شرعي على خلافه.
و كلا هذين النحوين من التزاحم يؤدي إلى عجز المكلف عن امتثال الواجبين معاً، و سوف يقع التزاحم في مقام الامتثال بين الواجبين، سواء كانا من النحو الأول أم من النحو الثاني، و قد قلنا فيما سبق: إن القانون المتبع في علاج حالات التزاحم هو قانون الترجيح للأهم ملاكاً، بمعنى: أن يكون وجوبه مطلقاً و وجوب المهم هو المقيّد بعدم الاشتغال بالأهم.
و السؤال الذي يطرح نفسه في المقام، هو: هل أنّ هذا القانون يجري في كلا النحوين المتقدّمين من التزاحم، بحيث ينظر إلى الأهم ملاكاً منهما فيقدّم على صاحبه، أم أنّه يجري فقط في أحد النحوين دون الآخر؟
و الجواب على السؤال المتقدم، هو: إنّ الترجيح بملاك الأهمية، إنما يجري في خصوص الواجبين المتزاحمين من النحو الأول- أي: الواجبين اللذين لم يفرض فيهما تقييد زائد على ما استقل به العقل من اشتراط، و هو عدم الاشتغال بامتثال واجب آخر لا يقل عنه أهمية، و الذي عبّرنا عنه بالقدرة التكوينية بالمعنى الأعم- و أما في النحو الثاني من النحوين المتقدمين، فلا مجال [١] لمثل هذا القانون، بل المتبع في مثل هذه الحالة،
[١] بل يمكن أن يقال: إنّه لا موضوع أصلًا لمثل هذا القانون في المقام؛ لأنّ موضوعه و مورده هو وجود ملاكين و ملاحظة النسبة بينهما، و سوف يتبيّن أنه لا ملاك أصلًا للمشروط بعدم وجود حكم شرعي على خلافه فيما لو وجد ذلك الحكم الشرعي، فلن يوجد ملاكان فعليان حتى تلاحظ النسبة بينهما، بل لا يوجد إلا ملاك فعلي واحد هو ملاك التكليف غير المقيّد منهما، كما سوف يتضح من خلال البحث.
نعم، لو كان المقصود ملاحظة الملاك في كل تكليف منهما في نفسه و بقطع النظر عن تقييد التكليف بعدم وجود التكليف الآخر، لأمكن افتراض وجود ملاكين، فتلاحظ النسبة بينهما؛ فإنّ لوجوب الوفاء بالنذر في نفسه- و بقطع النظر عن وجود حكم شرعي على خلافه- ملاكاً يخصّه، كما أنّ لوجوب الحج- و بقطع النظر عن غيره- ملاكاً يخصّه، و معه، يمكن افتراض أهمية أحدهما من الآخر، إلّا أنه بعد فرض تقييد الشارع أحد التكليفين بعدم وجود التكليف الآخر، فإنّ مثل هذا التقييد يكشف عن أهمية غير المقيّد منهما، بل يكشف عن عدم فعلية الملاك في المقيّد منهما؛ لأنه مقيد بعدم وجود حكم شرعي على خلافه، فتأمل جيداً.