البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٦٢ - الاتجاه الأول الملازمة بين حكم العقل العملي و حكم الشرع على طبقه
تنبيه:
قوله (قدس) ص ٤٢٧: «بل لهما واقعية تلتقي مع المصالح ... الخ».
ينبغي الالتفات إلى أنّه ليس المقصود مما ذكرناه هو انكار تبعيّة الحكم بالحسن و القبح للمصالح و المفاسد بنحو السالبة الكلّية، بل المقصود من ذلك، هو القول بأن للحسن و القبح واقعيّة بقطع النظر عن المصالح و المفاسد، فقد تلتقي معهما في كثير من الأحيان، و قد لا تلتقي، بمعنى: أنه قد يحكم بحسن الشيء لما يدرك فيه من المصلحة، و قد يحكم بحسنه، و إن لم يدرك العقل بأنّ فيه مصلحة [١]، و لكن مجرّد التقاء الحسن و القبح مع المصلحة و المفسدة، لا يضرّ بالقول بأنهما أمران واقعيّان ثابتان في لوح الواقع و بقطع النظر عن العقلاء و حكمهم.
تحقيق الحال في الملازمة:
وقع البحث في أصل وجود الملازمة بين ما أدركه العقل من حسن أو قبح، و بين حكم الشارع على طبقه، و عدمها، و قد وقع الخلاف بين المحققين في ذلك.
فقد ذهب المشهور إلى القول بالملازمة، و ذهب آخرون إلى القول باستحالة الملازمة إيجاباً، و ادعوا ثبوت الملازمة سلباً، بمعنى: الملازمة بين حكم العقل العملي و عدم حكم الشارع على طبقه، و ذهب قوم آخرون إلى إنكار الملازمة سلباً و إيجاباً، و هذا ما تبنّاه السيد الشهيد (قدس)، كما سوف يتّضح في آخر البحث.
ثلاثة اتجاهات في المسألة:
الاتجاه الأول: الملازمة بين حكم العقل العملي و حكم الشرع على طبقه
قوله (قدس) ص ٤٢٧: «و المشهور بين علمائنا الملازمة بين ... الخ».
و هذا الاتجاه هو الذي ذهب إليه المشهور من الأصوليين، و ادّعوا وجود ملازمة بين حكم العقل العملي و حكم الشارع على طبقه، و استدلّوا له:
أنه إذا تطابقت آراء العقلاء على شيء، فهذا يفرض كون الشارع معهم؛ إذ هو من
[١] اعلم أنّ تمامية هذا الكلام تبتني على صحة ما ادعاه السيد الشهيد فيما تقدم من أنّ التجربة قاضية بأنّ العقلاء يحكمون بقبح بعض الأفعال مع أنها لو قيست من زاوية المصالح و المفاسد لكانت المصلحة فيها غالبة على المفسدة، و قد ذكرنا في الهامش رقم: (٢) من الصفحة السابقة تعليقاً على ذلك، فتأمل.